الإرهاب وسبل العلاج

المصطلحات والمقالات
نوع الخط
  • أصغر شيء صغير متوسط كبير أكبر شيء
  • افتراضي أريال سيجو أميري نوتو نسخ

أهم طرق مكافحة الإرهاب هي الحوار المقنع والمناظرة مع أصحاب هذا التفكير لإقناعهم بخطأ اعتقادهم وإفهامهم ضرورة مراجعة فهمهم للدين، ومن الضرورة مراجعة المناهج التعليمية خصوصا مادة التربية الإسلامية لتكون فهما تحصينيا للطلاب من فكر الغلو والتطرف.

مقابلة محمد الحسن ولد الددو مع مجلة «الدرك الوطني».

قال الشيخ محمد الحسن ولد الددو: إن الإرهاب ظاهرة غريبة على الدين الإسلامي و أن الإسلام منه براء، مؤكدا أن الدين الإسلامي دين تسامح وتعايش بين الشعوب، مستشهدا بأمثلة من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين.

و أضاف ولد الددو في مقابلة مع مجلة «الدرك الوطني» أن الإرهاب يأخذ أحيانا طابعا رسميا مثل استخدام الولايات المتحدة للأسلحة النووية ضد اليابان في الحرب العالمية الثانية وما قامت به إسرائيل في عدوانها على قطاع غزة، وقد يأخذ شكل تطرف وغلو في الدين كما هو شأن العديد من الجماعات الإرهابية في العالم العربي والإسلامي.

وأكد ولد الددو أن أهم طرق مكافحة الإرهاب هي الحوار المقنع والمناظرة مع أصحاب هذا التفكير لإقناعهم بخطأ اعتقادهم وإفهامهم ضرورة مراجعة فهمهم للدين، مشددا على ضرورة مراجعة المناهج التعليمية خصوصا مادة التربية الإسلامية لتكون فهما تحصينيا للطلاب من فكر الغلو والتطرف.

وهذا نص المقابلة:

الدرك الوطني: ما هو الإرهاب من منظور الشريعة الإسلامية؟

الشيخ الددو:

«الإرهاب ليس له دين، وليست له جنسية، وهو يصدر من المسلمين ومن غيرهم، ويصدر من العرب ومن سواهم، والذين صنعوا السلاح أول ما صنعوه وأعدوا آلات الفتك في هذا الزمان لم يكونوا يتوقعون أنها تكون بأيد مخربة أو مفسدة، فلذلك أتوا بأنواع من الأسلحة هي أسلحة دمار شامل، وهذه إذا وقعت في أيدي من يعتدي بها فإنها ستكون ضررا على الأرض وأهلها، لأن أصل استعمال هذا النوع من الأسلحة إنما هو للدفاع، أي للدفاع عن النفس وينبغي أن لا يستعمل أصلا إلا في حالات الضرورة.

إنما جعل الإرهاب ظاهرة تختص بهذا العصر هو وجود هذه الأسلحة، و قد عرفت كل العصور الماضية معتدين بالسلاح والقوة، لكن كانت القوة محصورة، يكون الاعتداء بالسيف… بالرمح… أو بالرصاص، وهذا ما يؤدي لقتل إنسان واحد، أما اليوم فقد شهد السلاح تطورا هائلا، وأول من استعمله فيما يمكن أن يصنف بالإرهاب دولة الولايات المتحدة الأمريكية فكان الإرهاب إذ ذاك إرهابا رسميا، عندما ضربت اليابان بالأسلحة النووية، وبعد ذلك استخدمت الأسلحة الفتاكة التي لا تصل إلى مستوى الأسلحة النووية في ظاهرها، ولكن فتكها مساو لها، وقد استخدمتها أمريكا كذلك في أفغانستان وفي العراق، واستخدمها الصهاينة في غزة، فكان هذا إرهابا رسميا، وهو لا يقل ضررا وخطرا عن الإرهاب الآخر لأنه في أغلبه مسكوت عنه عالميا ولا ينكره أحد، وما فعلته الولايات المتحدة نحن قد لا نحمل مسؤوليته للشعب الأمريكي، فالشعب الأمريكي مثل غيره من شعوب العالم قد لا يكون راضيا عن هذا التصرف ولا مشاركا فيه، لكن الساسة الذين بأيديهم أقوى و أعتى سلاح تملكه البشرية، إذ استعملوه ضد البشرية… ضد الإنسانية… ضد حياة سكان الأرض حتى البهائم منهم، فهذا لا شك أنه إرهاب واعتداء.

ثم بعد ذلك يأتي الإرهاب المقابل، وهو في الأصل إذا حصل إيذاء لأي شعب من الشعوب فإن النخوة عادة تتحرك في ذلك الشعب كما فعل الفيتناميون، ومثل ما فعلت الشعوب التي طلبت التحرر من الاستعمار، في البداية كان الجهاد ضد الاستعمار في الشعوب المضطهدة بالسلاح العادي، ولا يمكن أن يكون فيها اعتداء، لكن اليوم بعد أن تطورت هذه الأسلحة ووصلت إلى يد كل الناس أصبح الذين يردون ردة الفعل أيضا يعتدون، لأننا إذا قررنا أن الغازي هو المعتدي فالشعب الذي وراءه ليس معتديا، فالشعب الأمريكي الموجود في أمريكا ليس من الذين اعتدوا وغزوا، ولذلك لا يجوز الاعتداء عليه، الاعتداء إنما هو على المعتدي كما قال الله تعالى: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينْ. والمؤسف أن بعض المسلمين يفهمون هذه الآية على غير وجهها الشرعي، فيظنون أن المعنى إن قتلتم قتلا شاملا، أو اعتدي على مقدساتكم، أو اعتدي على مقدراتكم، أو نهبت ثرواتكم، فاعتدوا بنفس الفعل ونفس العمل، وهذا غير مقصود شرعا، بل لا يجوز أبدا أن يعتدى على من لم يعتد، وبعضهم يتأول فيقول الشعوب أيضا مشاركة لأنها تدفع الضرائب ولأنها تسكت عن حكامها، وهذا غير صحيح، الشعوب دائما فيها معارضة، ولو دفعت الضرائب فالضرائب دائما دفعها قصري قهري، وليست من الأمور التي يكون الإنسان فيها بالاختيار.وظاهرة الإرهاب ظهرت أول ما ظهرت في أوروبا في الأولوية الحمراء والباسك، ونحوها من الجيوش كالجيش الجمهوري الايرلندي، فهذه الحركات قامت بأعمال إرهابية ولو كانت رد فعل، ولو كانت رد اعتداء، لكن تعدت أيضا واعتدت وفجرت، فجرت أسواقا… وفجرت محطات قطارات… واعتدت على الحكومات المعتدية من قبل.

وظاهرة الإرهاب ظهرت أول ما ظهرت في أوروبا في الأولوية الحمراء والباسك، ونحوها من الجيوش كالجيش الجمهوري الايرلندي، فهذه الحركات قامت بأعمال إرهابية ولو كانت رد فعل، ولو كانت رد اعتداء، لكن تعدت أيضا واعتدت وفجرت، فجرت أسواقا… وفجرت محطات قطارات… واعتدت على الحكومات المعتدية من قبل.

ثم بعد ذلك وصلت هذه الظاهرة إلى المسلمين، وبدأت الآن تنتشر وتتنامى، وقامت بعض الأعمال التي تعتبر فتكا وتهديدا لأهل الأرض، وفيها أذى لهم واعتداء عليهم، في مناطق كثيرة من العالم، كان فيها اعتداء على سفارات ونسف كامل لها، كان فيه اعتداء على أسواق ومراكز تجارية، وكان فيها اعتداء أيضا على محطات قطارات، وكان فيها اعتداء على مطارات يحلها النزلاء من مختلف المستويات ومختلف الجنسيات، وهذا لا يبيحه الشرع ولا يحله القانون، ولا يمكن أن يكون مقبولا بأي وجه من الوجوه، حتى ولو كانت الحكومة التي يراد عقابها معتدية إرهابية، فهو تجاوز للمأذون فيه شرعا.

وإذا نظرنا إلى أصول الشريعة الإسلامية وما قبلها من الديانات السماوية نجد أنها تحرم الاعتداء جميعا، فيوسف عليه السلام قال: مَعَاَذ اللهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونْ فجعل هذا ظلما، والرسول صلى الله عليه وسلم لما أتاه عمرو بن أبي أمية الضمري وكان من القراء الذين أرسلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في مهمة سلمية وهي تعليم أهل نجد القرآن، فاعتدى عليهم عامر بن الطفيل فقتلهم وكانوا سبعين من خيرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونجا منهم عمرو بن أبي أمية الضمري ورجل آخر معه، فوجدا رجلين من قبيلة عامر بن الطفيل من بني عامر بن صعصعة فقتلهما عمرو بن أبي أمية الضمري، فلما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تبرأ من هذا الفعل وقدم ديتهما إلى أهلهما لأنهما لم يشاركا في المعركة ولا رضيا بها.

وفي يوم فتح مكة عندما أرسل رسول الله عليه وسلم خالد بن الوليد لتطهير تلك المنطقة من الأصنام جاء إلى بني جذيمة (وهم بطن من العرب من كنانة)، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا فقالوا: صبأنا فقتل فيهم خالد بن الوليد قتلا، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد، هذا خالد بن الوليد سيف الله وسيف رسوله، ومع ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد.

كذلك في أيام أبي بكر الصديق رضي الله عنه في وقت الردة، عندما كانت الحرب بين المسلمين وبين أتباع مسيلمة الكذاب باليمامة، وقتل فيها خمسمائة من القراء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قتل بعض الذين أسروا فغضب أبو بكر رضي الله عنه غضبا شديدا وعزل واليه قائد الجيوش خالد بن الوليد بسبب قتل بعض الأسرى، فالأسرى لا يقتلون في كل الشرائع وبالأخص في الإسلام، والنبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر أمر بقتل أسيرين هما الحارث بن النضر بن كلدة وعقبة بن أبي معيط، وسبب ذلك أذاهما لله ورسوله، وفي النضر نزل قول الله تعالى وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فلما قتلهما صبرا جاءه شعر لابنة النضر وهي قتيلة، تقول فيه:

«يا راكبًا إن الأثيل مظنة ❋ من صبح خامسة وأنت موفق

أبلغ به ميتًا بأن تحية ❋ ما إن تزال بها النجائب تخفق

مني إليه وعبرة مسفوحة ❋ جادت بواكفها وأخرى تخنق

هل يسمعن النضر إن ناديته ❋ أم كيف يسمع ميت لا ينطق

ظلت سيوف بني أبيه تنوشه ❋ لله أرحام هناك تشقق

صبرا يقاد إلى المنية متعبا ❋ رسف المقيد وهو عان موثق

أمحمد يا خير صنو كريمة ❋ في قومها والفحل فحل معرق

ما كان ضرك لو مننت فربما ❋ من الفتى وهو المغيظ المحنق

أو كنت قابل فدية فلناتينْ ❋ بأعز ما يغلو لديك وينفق

فالنضر أقرب من أسرت قرابة ❋ وأحقهم إن كان عتق يعتق»

فقطرت لها دمعتا رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمة، وأوصى أن لا يقتل قرشي بعدها صبرا، وورد عنه أنه قال لو جاءني شعرها والنضر حي لوهبته لها.

وكان قتال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والمسلمين في الفتوحات الإسلامية أبعد شيء عن الإرهاب، انظروا إلى وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوصى أن لا تقتل امرأة ولا شيخ فان، ولا راهب، ولا صغير، فهذه أربعة أجناس من الناس لا يشاركون في الحروب، فهم مسالمون عادة، الشيخ الكبير في السن، والراهب المنفرد بالدين، والمرأة والطفل، فهؤلاء الأربعة نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتلهم في كل الحروب، وفي يوم من الأيام رأى امرأة قتيلة فغضب غضبا شديدا فقيل له إنها كانت تقاتل وتحمل السلاح.

كذلك القتال بين المسلمين، فقد حصلت حروب مريرة بين المسلمين حتى في عهد أصحاب رسول صلى الله عليه وسلم، لكن كانت قاعدتها التي تنظمها ما أعلنه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقد نادى مناديه أن لا يتبع منهزم وأن لا يجهز على جريح، وأن لا تسبى سبية، وأن لا تغنم غنيمة، فهذه أربعة أمور: أن لا يتبع منهزم فهؤلاء مسلمون دماؤهم في الأصل معصومة لكنهم اعتدوا فيقاتلون من أجل رد عدوانهم فإذا أدبروا فقد انتهى عدوانهم، فلا يتبع منهزمهم، ولا يجهز على جريح، من جرح منهم لا يقتل، لأن المقصود من هذا القتال ليس القتل ولا إراقة الدماء، المقصود منه كف الاعتداء، والجريح عادة أمن شره، وأن لا تسبى سبية فالنساء معصومات مسلمات، وأن لا تغنم غنيمة فالغنائم ملك للمسلمين فلا يجوز أخذها، فهذا نداء علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

وهكذا كانت الحروب بين المسلمين، وحتى بينهم وبين أعدائهم، لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فاتحا استحيى من الله أن يدخل حرم الله بالسلاح، فألصق ذقنه بصدره حياء من الله، ولما جاءه المأسورون من قريش قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء، وعفى عن الناس جميعا، وكذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما دخل بيت المقدس فاتحا وقد سبقته الجيوش إلى بيت المقدس فحاصرت المدينة، فذكر أهلها أنهم راغبون في الصلح، وعادة المسلمين أنهم إذا غزاهم عدو من الأعداء فتقدموا إليه لرد عدوانه إذا طلب الصلح قبلوا منه، لأن هذا من تشريع الإسلام، فلما جاء عمر بن الخطاب يفاوض أهل القدس قدموا له قسيسهم ورجل الدين الأكبر لمفاوضته، فلما رأى عمر بكى وقال: والله إن هذا هو الوصف الذي عندنا في التوراة والإنجيل، وسلم له مفاتيح القدس، وكتب له عمر صلحا ما زال قائما إلى الآن، وفيه أمانهم على دينهم وأمان مقدساتهم، وأن لا يتعرض لهم في أمورهم كلها وما يبيحه لهم دينهم وأن يدافع عنهم وأن يحموا من كل اعتداء.

كذلك الهرمزان وهو قائد من قادة الفرس ومن أبطالهم المشاهير، قتل البراء بن مالك وهو من خيرة صحابة النبي صلى الله عليه وسلم وأسر فجيء به إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المدينة، فلما جاء به العسكريون مروا به على عمر في وقت الضحى وكان يصلي الضحى في ظل نخلة فنعس فنام تحت ظل النخلة على الأرض، فلما وقف عليها الهرمزان ورآه قال: هذا عمر الذي يصدر عن أمره أهل العراق وأهل الشام وأهل الحجاز وأهل اليمن، قيل له: نعم هذا عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، فقال: عدلت فأمنت فنمت، فالقائد إذا عدل لم يخش انقلابا عليه فهو آمن، عدلت فأمنت فنمت.

وعندما أراد عمر التحقيق معه سأله عمن قتله من المسلمين، فقال: إني لا أستطيع أن أجيبك، قال: لم؟ قال: من العطش، فأمر له بقدح من ماء، فلما جيء إليه بقدح من الماء البارد قال: لا أستطيع أن أشرب من الخوف، قال: أنت آمن حتى تشرب فكبه، وقال: قد أمنتني، فشهد له أصحاب رسول الله صلى اله عليه وسلم أنه أمنه فأطلق سراحه.

ولذلك في الفقه الإسلامي في جميع المذاهب أن العلج الذي لا يفهم له الإنسان لغة، إذا أشار له مسلم من داخل الأرض الإسلامية أو من الجيش الإسلامي إشارة فهمها العجمي على أن معناها الأمان فدخل بالأمان فهو آمن ولا يحل الاعتداء عليه، ولو كانت الإشارة على خلاف ما فهم، وأيضا فإن الكافر من رعايا الدولة الإسلامية أو حتى من ضيوفها المعاهدين إذا أشار إشارة إلى عدو – ولو في حال القتال – من غير المسلمين ففهمها العدو على أنها أمان وظن أن الذي أصدر إليه الأمان من المسلمين فهو آمن ولا يحل للمسلمين الاعتداء عليه، حتى ولو كان مؤمنه كافرا فهو من رعايا الدولة الإسلامية أو من ضيوفها، فإن الأمان يسري على المسلمين جميعا ولا يحل التعرض له.

هذا إذن هو تعريف الإرهاب».

الدرك الوطني: ما هي أسباب انتشار هذه الظاهرة وتوسعها هنا وهناك؟

الشيخ الددو:

«بارك الله فيكم، بالنسبة لهذه الظاهرة لها أساب متعددة، من بينها كما ذكرنا.

أولا: فشو السلاح الذي يصعب جدا استخدامه في الجهة المعتدية فقط، فإذا استعمل لابد أن يتعدى ضرره.

ثانيا: من أسبابه أيضا اضطهاد الشعوب وظلمها، فكثير من الشعوب خضعت لظلم استمر مدة طويلة، وأجبرت على خلاف إرادتها، كما كنا نذكر في فيتنام ومناطق كثيرة، حتى في الجزائر وهي قريبة منا استشهد فيها مليون ونصف مليون شهيد في مواجهة الاستعمار الفرنسي، دخل القوات الفرنسية الجزائر في العام ١۸٣٠، وعاثت في الأرض فسادا، حتى تجريب السلاح النووي الفرنسي ما كان إلا في الجزائر، وفي صحرائها، وما زالت آثاره إلى الآن وضرره قائما، بل إن كثيرا من الدارسين الآن يذكرون أن انتشار السرطانات في موريتانيا ومالي سببه ما تنقله الرياح من الأشعة عبر الصحراء من ذلك الذي كان مدفونا تحت الأرض وانتقل، وقد دفعت فرنسا تعويضات لبعض الضحايا، لكن لم تعتذر فرنسا للشعب الجزائري إلى الآن، لأن دستور الجمهورية الخامسة نص على أن الجزائر جزء لا يتجزأ من فرنسا، وهذا هو الجزء المضطهد، لأنها لو كانت جزءا من فرنسا لما استخدمت فيها هذه الأسلحة، ولما كانت مكان التجربة الوحيد، فرنسا إذ ذاك تحتل مناطق كثيرة، لكن لم يكن مكان لدفن النفايات وللتجارب النووية والذرية إلا هذه الأماكن التي هي لشعوب ليست من الشعب الفرنسي، ولا تمت له بصلة.

هذا الاضطهاد الكبير الذي لم تسلم منه المقدسات، كما نرى في المسجد الأقصى وفي المساجد في فلسطين يؤدي إلى حمية، لأن كل الشعوب لها مقدسات لا بد أن تثأر لها، كل الشعوب أيضا لها عزة نفس لا بد أن تثأر، فكانت هذه الحمية التي وقعت في هذا الزمان من كثير من الشباب الذين ليس لديهم علم بالشريعة، – وهذا في الحالة الإسلامية بالخصوص – ليس لديهم علم بالشريعة يمنعهم من مخالفتها، وقد رأوا الاضطهاد الذي يستعدي منهم أن يثأروا، ووجدوا هذه الأسلحة الفتاكة التي لا يمكن أن تستعمل إلا وحصل إرهاب، فكل هذه العوامل أدت إلى هذا.

كذلك من هذه العوامل أيضا أن بعض الحكومات والقادة في البلاد الإسلامية كانوا يمثلون أعداء الأمة ولم يكونوا يمثلون الأمة، فليسوا إفرازا للأمة، جاؤوا لأذى أمتهم وإهانة شعوبهم وقاموا بذلك، نهبوا خيرات البلاد وأغنوا المقربين منهم غنى فاحشا وطائلا، وأفقروا الشعب الآخر، أقاموا السجون التي لم تقم للتأديب وإنما أقيمت للتعذيب، فعذبوا الناس بمختلف الوسائل، فأدى هذا التعذيب إلى ردة فعل من كثير من الشباب الذين تعرضوا له، وردة الفعل هذه ليس لها حدود، لكن منها في بلادنا الإسلامية وفي الحالة الإسلامية انتشار فكر التكفير، فكر تكفير المجتمع وليس تكفير الدولة فقط، في البداية كان تكفير الدولة هو الخطر، ثم صار تكفير العلماء، ثم صار تكفير الشعوب، وفكرة التكفير هذه جهنمية ومن الأفكار الخطرة، لأن الإنسان إذ اعتقد أنك كافر فيقتضي منه ذلك استباحة عرضك ودمك ومالك.

ومن أسبابه أيضا انتشار فكرة التكفير بعض الغلو والتطرف في بعض المفاهيم، لأن العالم الإسلامي كانت فيه حرية في العصور الأولى، حرية نقاش وحوار، وأيضا تشجيع على الاجتهاد، فانتشرت المذاهب وكثرت، والإسلام بذاته يشجع على الاجتهاد، لكن كانت هذه مجرد أفكار مضمونة من الحريات المضمونة، لأن الإسلام يضمن حرية التفكير وحرية التعبير، فألف الناس الكتب وحصلت الحوارات بين مجتهدي المذاهب المختلفة، ولم يكن فيها اعتداء.

بينما نلاحظ بكل أسى لدى المتأخرين اليوم أن أصحاب هذه المذاهب ينتصرون لمذاهبهم بالقوة، ويريدون أن يفرضوها بالسلاح، فكان هذا نوعا آخر من أنواع الإرهاب، أو سببا آخر من أسباب الإرهاب، وذلك أن التعصب للمذاهب أصبح متدخلا في التصرف، قديما كانوا إذا أراد الإنسان أن يتنصر لمذهبه ألف تأليفا وأقام حجة وناقش وناظر وجادل، أما اليوم فإذا أراد أن نصر مذهبه يقتل من يخالفه، أو يحاول الاعتداء عليه، وهذا مخالف للسلوك الحضاري، ولذلك أنا الآن عندي سلسلة من المحاضرات عنوانها «السلوك الحضاري»، السلوك الحضاري مع المخالف، السلوك الحضاري حتى مع البهائم، مع سكان الأرض، الآن الكثير من الناس حياته لا يمكن أن تكون حياة يطبعها التعايش السلمي، مع أن الدين جاء من أجل التعايش السلمي بين الناس، كما يمكنك أن تصل إلى حقك وأصل أنا إلى حقي ولو كنا متخالفين، حتى ولو اختلفنا في كل شيء حتى في أصل الدين وفي الاعتقاد فيمكن أن نتعايش، فالله تعالى يقول: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من ديركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من ديركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم، ومن المذاهب التي ينبني عليها الكثير من التعصب قضية الفهم الخاطئ للولاء والبراء والحب لدى بعض المذاهب الإسلامية، فبعض المذاهب الإسلامية يعتبر أصحابها الولاء الذي هو من الأمور المهمة في العقيدة، الولاء لله ورسوله والبراء ممن يعادي الله ورسوله، يفهمون أن الولاء هو المحبة، فأي حب لأي كافر أو لأي فاسق يعتبرونه نقضا للولاء، وأي تعاون مع أي كافر يعتبرونه نقضا للبراء، وهذا غير صحيح فالله تعالى قال لرسوله صلى الله عليه وسلم: إنك لا تهدي من أحببت فهذا دليل على أنه يمكن أن يحب كافرا، وقد نزلت هذه الآية كما يقول جمهور المفسرين في حرص النبي صلى الله عليه وسلم على إسلام عمه أبي طالب إنك لا تهدي من أحببت فأثبت أنه أحب وجاء بصيغة الفعل الماضي الذي هو للإثبات، وكذلك فإن الإسلام أذن للمسلم أن يتزوج المحصنات من الذين أوتوا الكتاب، ولا يمكن أن يقول تزوجها ولا يحل لك أن تحبها، فهذا تناقض وهو مستحيل، وأيضا إذا أحبها سيحب أباها وأمها وأهلها، هذه المصاهرة الرحمة والمودة، كما قال الله تعالى: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة.

كذلك كثير من الناس يظنون أن أي نوع من التعاون داخل في نقض البراء كما ذكرنا، وقد شاع ذلك لدى كثير من الحركات الموجودة اليوم في العالم الإسلامي، سألت بعضهم: بم تكفر الحكام المسلمين؟ فقال: بمظاهرتهم للأمريكيين وأعداء الأمة عليها، فهم ساعدوا الأمريكيين في تدمير العراق وأفغانستان، فقلت: لو أنهم غزو العراق وأفغانستان ودمروهما على رؤوس أهلهما هل يكفرون بذلك، قال: لا، قلت: كيف إذا يساعدون على أمر فيكفرون، ولو باشروه لما كفروا، فالمباشرة تقطع حكم التسبب، والتسبب لا يقطع حكم المباشرة.

إذا فالفهم الدقيق الذي نحتاج إلى ترسيخه، وأرجو أن يفهم من خلال هذا المنبر الإعلامي الناشئ، أن يفهم أن المقصود بالولاء والبراء ما تعلق بالدين، معناه أن الدين الذي يقتنع الإنسان أنه الحق يجب عليه أن يواليه ويوالي أهله ويحبهم وينصرهم، والبراء من الدين المخالف له، فإذا إذا ظاهر من ينصر دينا آخر فهذا هو المخالف للعقيدة، على أساس الدين، وإذا والى على نصرة دين آخر فهذا هو المخالف للعقيدة، لأن الله تعالى قال: إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين فلم يقل قاتلوكم في النفط أو قاتلوكم في الغاز، فالقتال الذي ينهى عن الولاء لأصحابه هو القتال من أجل الدين،أما القتال من أجل المصالح السياسية والاقتصادية فهذا قتال آخر يقع بين المسلمين أنفسهم، وبين الكفار أنفسهم، ولذلك العلامة الشيخ باب ولد الشيخ سيديا رحمة الله عليه في وقت الحرب العالمية لما أرادت فرنسا أن تستغل كل الوسائل في حربها ضد الألمان أرادوا أن يستغلوا الدين؛ حتى الدين الإسلامي، فقدموا له استفتاء عن حكم ما فعلته ألمانيا، وعن قتلاهم وقتلى الفرنسيين، فقال: ما فعلته ألمانيا محرم في كل الديانات ولا يحل، وقتلى الألمان في النار لأنهم معتدون، أما قتلى الفرنسيين المدافعين عن أنفسهم وحوزتهم الترابية وأرضهم فهم في فيه قتلى فرنسا وموتاها قبل الحرب، فهم مثل موتى فرنسا قبل الحرب.

إذا فهذا السبب من الأسباب المتعددة لهذه الظاهرة.

وبعض الدارسين اليوم يرجع بعضها إلى ظاهرة الفقر أيضا والتخلف في الدراسة ونحو ذلك، وهذه قد تكون في بعض الحالات لكن ليست هي كل الحالات، بل إن كثيرا ممن صدرت منهم أعمال إرهابية من المتفوقين في الدراسة وبعضهم من الأغنياء وأبناء الطبقة رفيعة المستوى».

الدرك الوطني: هل يمكن إعادة الظاهرة إلى تضخيم الخلاف، أو غياب السلوك الحضاري؟

الشيخ الددو:

«المشكلة اليوم هي أن التعليم النظامي في البلدان الإسلامية لم يعد يهتم بترسيخ العقائد والأخلاق والتربية الصحيحة، فمقررات التربية الإسلامية هي أضعف المقررات دائما، والذين يدرسونها عادة هم أقل الأساتذة مستوى، وأقلهم أخذا لمهارات التدريس وطرقه ونحو ذلك، فلذلك تكون عادة هذه المواد مواد غير أساسية، ولم يعد الناس يدرسون أبناءهم في البيوت القدر الكافي، مما يؤثر على عقيدتهم وسلوكهم، فيمكن أن تجد جيلا من الشباب فهمهم للعقيدة مأخوذ من أساتذتهم من الشباب، من نظرائهم، وليس لهم أستاذ كبير ولا عالم يأخذون منه».

الدرك الوطني: ما هي الوسائل الأكثر نجاعة في مواجهة هذه الظاهرة؟ والتقليل من تداعياتها؟ وهل من تحصين لذوي الهشاشة من المجتمع؟

الشيخ الددو:

«هذا السؤال تضمن سؤالين، فالأول ما يتعلق بالوسيلة المثلى، وأنا أعتقد أن الوسيلة المثلى هي ما كان في صدر الإسلام من المناظرة والحوار، فهذا الذي تغير به الأفكار، فلا يمكن أن يرد الإرهاب بالإرهاب، ونحن ذكرنا أن الموجود منه في العالم الإسلامي بل أكثر من ذلك في العالم الثالث من غير المسلمين أغلبه جاء ردة فعل، لكنه كان إرهابا أيضا لأنه تجاوز المأذون فيه، فإذا لا بد من أن تستغل هذه الوسيلة التي هي الحوار والمناظرة لأن المتصرفين ليسوا كما يتوهم البعض ساذجون أو مصابون بأمراض نفسية يريدون الفتك ويتشفون بإراقة الدماء، بل هم أصحاب أفكار، وهم مقتنعون بالفكر الذي يدعوهم إلى هذا العمل، فلذلك الحل هو في الحوار معهم والمناظرة.

وبلادنا قد جربت هذا الأسلوب مع بعض السجناء واستجابوا، وقد سمعت مقابلة لفخامة الرئيس مع إذاعة فرنسا ٢٤ ذكر فيها أن كل الذين شاركوا في الحوار وأطلق سراحهم لم يعد إلى الأفكار التي كان يعتقدها باستثناء شخص واحد، شخص واحد من عدد كبير، فلذلك كان الحوار ناجحا، وأنا كانت لي تجارب في السودان وفي قطر وفي ليبيا وفي الجزائر، وكانت تجارب مفيدة، فإن كثيرا من الذين لديهم هذه الأفكار هم بذاتهم أصحاب قبول للحق، وعلى الفطرة، فإذا عرفوا أن هذا الفكر الذي كان لديهم مخالف للحق، فليس لديهم مانع من تغير قناعاتهم والرجوع عنها، بل إن كثيرا من الجماعات التي كانت في الأصل تكفيرية دخلتها مراجعات داخلية ليست في حوار مع أي طرف، وإنما ازداد قادتها علما فراجعوا مسلمات كانت لديهم في وقت من الأوقات، كانوا يريقون في سبيلها الدماء، ويعتدون في سبيلها على الناس، فراجعوا هذه الأفكار فتركوها، ومن أمثلة ذلك الجماعة الإسلامية في مصر، فهذه الجماعة كانت من قبل تتبنى التكفير والهجرة، والآن أصدرت كتبا للمراجعة، ورجعت عن أفكارها وردت على نفسها.

ومن المهم أن يكون الحوار مع أكفاء، والمشكلة أن بعض الدول إذا أرادت إذا أرادت أن تتخذ قرارا بالحوار لا تختار له على أساس الكفاءة، بل تختار بنظرة سياسية أو بأبعاد أخرى غير الكفاءة، والواقع أن الحوار لا بد أن يكون مقنعا، وأن يكون منطلقا من معرفة بالفكر المضاد، من لا يعرف الفكر المضاد لا يمكن أن يرده، لا بد أن يدرس الإنسان الفكر والشبهة ثم يعرف حلها.

أما السؤال والثاني والمتعلق بتحصين الشعوب، فمن المهم جدا أن نراجع مقرراتنا الدراسية من المهم جدا أن نقيم مؤتمرا أو حوارا وطنيا حول إصلاح التعليم، ومراجعة المناهج الدراسية، فالناس يتلقون معلوماتهم في أغلبها عن طريق المدارس، فهذه المقررات لا يمكن أن تكون منذ الاستقلال أو موروثة عن الاستعمار ثم يستمر ذلك وتتربى عليها الأجيال دون مراجعة، في اليابان كل فصل تتم مراجعة المقررات، لأن العلم يتطور، والمقررات تتعلق بعلوم قابلة للتطوير، وفي فرنسا الآن المراجعة كل ثلاث سنوات، يراجع المقرر التربوي كل ثلاث سنوات، أما عندنا فلم تحصل أي مراجعة قط، فهذا خطأ كبير جدا، فلا بد من مراجعة المقررات، ولا بد من التعويل في المقررات الجديدة على التحصين الفكري والعناية بالشباب الذين لديهم قابلية لاعتناق أفكار وافدة وطارئة، وأنت الآن لا يمكن أن تحصنهم بإغلاق مسامعهم فوسائل الإعلام في كل البيوت، والأنترنت تنقل الغث والسمين، وبالإمكان أن يطلع الإنسان فيها على كل فكرة، ولو كانت فكرة إبليسية شيطانية ليطانية، يطلع عليها كل الناس.

فلذلك لا بد من التحصين الذي هو ممنهج ومبرمج، ولا بد أن يكون عليه حوافز، وهذه الحوافز أهمها الامتحانات والنجاح، هذا أهم حافز، فإذا كان الإنسان سينجح إذا درس هذه المادة هذا حافز له على دراستها، وبالتالي لا بد أن يكون المدروسات مقنعة فتكون تحصينا كافيا من هذه الأفكار».

الإعداد: (موقع الأخبار الموريتاني)

اشترك ببريدك الإلكتروني لاستلام الإشعارات عند توفر معلومات جديدة.