التطرف والغلو

المصطلحات والمقالات
نوع الخط
  • أصغر شيء صغير متوسط كبير أكبر شيء
  • افتراضي أريال سيجو أميري نوتو نسخ

التطرف خطر كبير ولابد لكل واحد فينا أن يتعرف على مصطلحاته وأسبابه وأشكاله وكيفية اجتنابه. تجدون كل ذلك في هذا المقال.

تعريف التطرف

لغةً

بالنظر في المعاجم اللغوية وجدنا أن معنى هذه الكلمة يدور حول: حَدِّ الشَّيْءِ وَحَرْفِهِ، وعلى عدم الثبات في الأمر، والابتعاد عن الوسطية، والخروج عن المألوف ومجاوزة الحَدِّ، والبُعد عما عليه الجماعة.

اصطلاحا

لم نجد في كتب القدماء هذا المعنى المقصود اليوم من كلمة «التطرف»، ولكن هناك لفظة أخرى كثر استخدامها في هذا المعنى، وهي كلمة «الغلوّ»، وهي كلمة وردت في القرآن الكريم، ووردت على لسان النبي –صلى الله عليه وسلم- لكن من خلال المفهوم السائد الآن، يمكن أن نقول: إنه تجاوز حد الاعتدال، سواء كان في العقيدة، أو في الفكر، أو في السلوك.

وجاء في مجلة البحوث الإسلامية:

«الغلو في الحقيقة أعلى مراتب الإفراط في الجملة، فالغلو في الكفن هو المغالاة في ثمنه والإفراط فيه.

والغلو أخص من التطرف، إذ إن التطرف هو مجاوزة الحد، والبعد عن التوسط والاعتدال إفراطا أو تفريطا، أو بعبارة أخرى: سلبًا أو إيجابًا، زيادة أو نقصًا، سواء كان غُلوًّا أم لا، إذ العبرة ببلوغ طرفي الأمر، وسبق الغلو في قول القائل:

لا تَغْلُ في شيء من الأمر واقتصد ❋ كلا طرفي قصد الأمور ذميم

فالغُلُوُّ أخصُّ من التطرف باعتبار مجاوزة الحد الطبيعي في الزيادة والنقص، في حال النقص يسمى غُلوًّا إذا بالغ في النقص، فيقال: غلا في النقص، وكذلك في الزيادة إذا بالغ فيها كقول النصارى في المسيح ابن مريم.

والتطرف: الانحياز إلى طرفي الأمر، فيشمل الغُلوّ، لكن الغلو أخص منه في الزيادة والمجاوزة، ليس فقط بمجرد البعد عن الوسط إلى الأطراف، أو بمعنى آخر: كل غُلوّ فهو تطرف، وليس كل تطرف غُلوّ».

فالذي يتطرف في حكمه في الدماء، ربما يحكم بكفر بعض الناس من أهل القبلة، فإذا غالى في تطرفه، فرما يستبيح قتله، ويرى في هذا أجرا من الله –تعالى- وهذا لا شك أنه أشد وأخطر، لأنه يقتل باسم الدين.

كلمات لها علاقة بهذا المفهوم

هناك بعض الكلمات يستعملها كثير من الناس، وهي تحمل في طَيَّاتها معنى التطرف، وإن كانت تختلف معها من حيث اللفظ، إلا أن معناها يكاد يكون واحدا في أذهانهم، ومن هذه الكلمات:

أولا: الغلوّ

نلاحظ أنه في الأعم الأغلب أن كلمة «الغلوّ» غالبا ما تكون مصاحبة لكلمة «التطرف»، فهما متلازمتان، حتى كأنهما مترادفتان، معناهما واحد، فالذي ينظر في المعاجم لا يكاد يدرك أن هناك فرقا كبيرا بين معنى الكلمتين.

قال أبو بكر بن دُرَيْد: الغلو: الارتفاع في الشيء، ومجاوزة الحد فيه، ومنه قوله جل وعز: لا تغلوا في دينكم ، أي: لا تجاوزوا المقدار.

وقال ابن الأثير: إيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ . أي: التشدد فيه، ومجاوزة الحد، كحديثه الآخر: إنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ .

وقيل: معناه البحث عن بواطن الأشياء، والكشف عن عللها وغوامض متعبداتها.

وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: وحامِل القُرآنِ غَيْر الغَالِي فِيهِ، وَلَا الْجافي عَنْهُ . إنما قال ذلك لأن من أخلاقه وآدابه التي أمر بها القصد في الأمور، وخير الأمور أوساطها، وكلا طرفي قَصْدِ الأمور ذميم، ومنه حديث عمر: لَا تُغَالُوا بصُدُقَ النِّساء . وفي رِوَايَةٍ: لَا تُغْلُوا فِي صَدُقات النِّساءِ. أي لا تبالغوا في كثرة الصداق.

وأصل الغلاء: الارتفاع ومجاوزة القدر في كل شيء، يقال: غاليت الشيء وبالشيء، وغلوت فيه أغلو، إذا جاوزت فيه الحد.

فيتضح مما سبق صحة ما قررناه، وهو أن هاتين اللفظتين متقاربتان في المعنى، بدرجة تكاد تصل إلى حد التَّرَادُف.

ثانيا: الإرهاب

شاعت كلمة «الإرهاب» في العديد من الأوساط والمحافل الدولية، دون تحديدٍ لمعناها بشكل واضح. لذا كان من الواجب أن يُحدَّد معنى هذه الكلمة على وجه الدقة، حتى لا يختلط الدفاع الشرعي عن النفس، ودفع المعتدي بالإرهاب.

تعريف الإرهاب

لغةً

يدور معنى كلمة «الإرهاب» في المعاجم حول الإزعاج والإخافة.

اصطلاحا

يقول الدكتور أحمد مختار عبد الحميد عمر في تعريف الإرهاب: مجموع أعمال العنف التي تقوم بها منظّمة، أو أفراد قَصْدَ الإخلال بأمن الدَّولة، وتحقيق أهداف سياسيَّة، أو خاصَّة، أو محاولة قلب نظام الحكم.

فيتضح مما سبق أن كلمة «الإرهاب» تدل على التخويف والإفزاع، ويكون الأمر سيئا جدًّا إذا كان إرهابا للضعفاء والأطفال والنساء وكبار السن والمرضى. لكن الذي يجب أن نؤكد عليه هو أن الدفاع الشرعي عن النفس، وردّ المعتدي والغاصب، ليس إرهابًا، ولا تطرفًا، بل هو في حق المسلمين جهاد في سبيل الله، إذا كان خاضعا للضوابط الشرعية التي قررها علماء الأمة.

أسباب التطرف

بنظرة سريعة يدرك المرء أسباب هذا الداء العضال، ذلك أن هناك قاسما مشتركا بين كل من وقعوا في هذا الأمر، ألا وهو الجهل بأحكام الشريعة الإسلامية السمحة الغراء التي لا يَزِيغ عنها إلا هالك.

ويمكن أن نُجمِل أسباب التطرف فيما يلي:

أولا: الجهل

فقد وجدنا جُلَّ هؤلاء الذين أصيبوا بذلك من صغار السن، الذين لم يحصلوا العلم الشرعي الذي يحصنهم من هذا البلاء العظيم، فتراهم ينقادون خلف حماسهم، أو ما تمليه عليه عقولهم، أو ما يفتيهم به بعض من يظنون أنه من أهل العلم، وهو ليس منهم، فيترخصون في أشياء منع منها الشرع، ويتكلمون في أمور أحجم عنها كبار العلماء، فقد تجد أحدهم يتكلم في تكفير المعيَّن لأسباب يراها هو مُكفِّرة، ونسي أو جهل أن هناك عذرا بالجهل، وعذرا بالشبهة، وعذرا بالتأويل، وأنه لا بد من إقامة الحجة على هذا الشخص المعيَّن، والذي يقيم الحجة لا بد أن يكون عنده من الأدلة التي تقابل كل شبهة عند المخالف بما يقضي على هذه الشُّبه، وليس مجرد إبلاغ الحجة وحده كافيا في كل الأحيان، فهناك فرق بين إقامة الحجة وإبلاغها.

ولو درى هذا خطورة ما يفعله لكفَّ لسانه عن الخوض في ذلك، كيف لا، وقد قال النبي – صلى الله عليه وسلم –:إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِها أَحَدُهُمَا .

إن هناك أدوات لا بد للعالم أن يحصلها، فلا بد أن يكون على دراية واسعة بالقرآن وعلومه، من تفسير ووجوه قراءات، وأسباب نزول، وناسخ ومنسوخ، وغير ذلك.

كما أنه يجب أن يكون ذا باعٍ كبير بالسُّنة وعلومها، صحيحها وسقيمها، ما تواتر منها، وما لم يتواتر، والمرفوع والموقوف، إلى آخر ما هو معروف لدى أهل هذا الفن.

وكذلك لا بد أن يكون متبحرا في علوم العربية، نحوها وصرفها وآدابها، ودلالات الألفاظ، وكيف نفهم النصوص، إلى آخر ما هو معروف.

هذا بخلاف معرفة القواعد الفقهية والأصولية، وغير ذلك من أدوات العلم الشرعي.

ونحن نرى أن هؤلاء الشباب المندفعين وراء حماسهم لم يحققوا شيئا من ذلك، وهم مع ذلك يتكلمون في أمور، ربما لو عُرضت على أبي بكر الصديق، أو عمر بن الخطاب – رضي الله عنهما – لجمعا لها أهل بدر، ولله في خلقه شئون.

ثانيا: سوء الفهم

إن سوء الفهم آفة ابتُلي بها كثير من الناس، ويزداد الطين بِلَّة إذا كان الأمر متعلقا بالأمور العظام، كالدِّين والدماء والأعراض.

إن التعامل مع النصوص الشرعية يحتاج إلى إعمال العقل بطريقة صحيحة، كما كان يفعل علماء الأمة، وأئمة الإسلام، وهذا ما يسمى بالاجتهاد، وهذا الاجتهاد لا يسوغ لكل أحد، إنما هو للعلماء الذين حصَّلوا أدوات الاجتهاد.

وهذا الاجتهاد لا يكون مع وجود النص، كما تقول القاعدة الشهيرة: لا اجتهاد مع النص، لكن الاجتهاد يكون في فهم النصوص، وفي جمع الأدلة، والنظر في الأدلة التي ظاهرها التعارض، كيف يكون الجمع بينها؟ وهل هناك سبيل للجمع أو لا؟ أو هل هناك ناسخ ومنسوخ أو لا؟ وكيف يُحمل العام على الخاص، والمطلق على المقيَّد، وغير ذلك؟ كل هذه أدوات وطرائق تساعد على الفهم الصحيح.

فما بال هؤلاء الذين لم يُحصِّلوا شيئا من ذلك، يتصدرون للفتوى، والتقول على الله بغير علم، ليس لأحدهم ذخيرة إلا الخوض في العلماء، والحط من شأنهم، حتى يلتف الناس حوله، فينقادوا له.

ومما يجذب كثيرا من الناس الذين ليس لهم نصيب من العلم لمثل هؤلاء المدعين أن كثيرا منهم قد أوتي جَدلا، فيجيد فن الكلام والحوار، ويجيد فن التلبيس والتدليس والمراوغة في الحوار، فينخدع بكلامه كثير من الناس، فيلتفون حوله، فيظن الجاهل أنه ما اجتمع حوله هذا الجمع من الناس إلا لفضل علمه، وإلى الله المشتكى.

ثالثا: اتباع المتشابه

إن اتباع المتشابه من سمات الذين في قلوبهم زيغ من أهل البدع، قال تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ .

قال ابن كثير – رحمه الله –: يخبر تعالى أن في القرآن آيات محكمات هن أم الكتاب، أي: بينات واضحات الدلالة، لا التباس فيها على أحد مِن الناس، ومنه آيات أُخَر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم، فمَن رَدَّ ما اشتبه عليه إلى الواضح منه، وحكَّم مُحكمه على متشابهه عنده، فقد اهتدى، ومَن عكس انعكس، ولهذا قال تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ أي: أصله.

وقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم –: إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ، فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللهُ فَاحْذَرُوهُمْ.

فاتباع المتشابه من أهم أسباب التطرف الفكري، ذلك أن هناك بعض النصوص تحتاج إلى الراسخين من العلماء ليفهموها فهما صحيحا، فإذا ما نظر فيها من ليس من أهل العلم، فقد يقع في المحظور، ويخرج عن حد التوسط الذي هو من أهم صفات هذه الأمة.

رابعا: اليأس

اليأس من أكبر علامات الهزيمة النفسية، والشخص اليائس لا يفعل شيئا، فهو دائما في انتظار الشر وتوقعه، لا يرى شيئا يبعث على التفاؤل، وإن وجد شيئا يدعو إلى التفاؤل، حمله أيضا على محمل سيء، فظن فيه شرًّا.

وهذا ما يحمل كثيرا من الشباب إلى الإفراط أو التفريط، فيتطرف في أقواله وأفعاله وطريقة تفكيره واعتقاده.

ولذلك وجدنا القرآن الكريم يحارب هذه الصِّفة الذميمة، بل ويدعو إلى عكسها، يدعو إلى التفاؤل، وتوقع الخير، قال تعالى: إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ .

قال ابن جرير – رحمه الله –: يقول: لا يقنط من فرجه ورحمته ويقطع رجاءه منه إلا القوم الكافرون يعني: القوم الذين يجحدون قدرته على ما شاء تكوينه.

فالمسلم المنضبط بضوابط الشرع لا يعرف اليأسُ طريقا إلى قلبه، فهو دائما واثق في نصر الله – جل وعلا – أما الذي يسيطر عليه اليأس، فإنه يتخبط في ظلمات من الإحباط، وفقد الأمل، فربما يتطرف في سلوكه، فيقع فيما حرمه الله.

خامسا: الظلم

من أقبح الصفات التي يمكن أن يتصف بها شخصٌ، أن يكون ظالما، لا سيما إذا كان ذا منصب، أو سلطان، لأن هذا يستجلب غضب الناس عليه، فيحملهم ذلك على التطرف، وعدم الإنصاف.

يقول الحق – تبارك وتعالى – في الحديث القدسي: يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا.

ويقول ابن القيم – رحمه الله –: لما كان الظلم والعدوان مُنافِيَين للعدل الذي قامت به السموات والأرض، وأرسل له سبحانه رُسله – عليهم الصلاة والسلام – وأنزل كُتبه ليقوم الناس به، كان مِن أكبر الكبائر عند الله، وكانت درجته في العظمة بحسب مفسدته في نفسه.

سادسا: تقاعس كثير من أهل العلم عن القيام بدورهم

إن العلماء هم صمام أمان هذه الأمة، وهم مصابيح الدُّجى، الذين يُهتدَى بهم في ظلمات الجهل والفتن، فإذا ما تقاعس العلماء عن القيام بدورهم في بيان الحق، أو داهنوا الظالمين، وكفُّوا عن بيان أحكام الشريعة، كان ذلك دافعا لأن يظهر الأغمار، وأنصاف المتعلمين، ليفتوا الناس في الحلال والحرام، وفي قضايا الساعة، فيكون التطرف.

قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ .

قال الشيخ السعدي – رحمه الله –:

«الميثاق هو العهد الثقيل المؤكد، وهذا الميثاق أخذه الله – تعالى – على كل من أعطاه الله الكُتب وعلَّمه العِلم، أن يبيِّن للناس ما يحتاجون إليه مما علَّمه الله، ولا يكتمهم ذلك، ويبخل عليهم به، خصوصا إذا سألوه، أو وقع ما يوجب ذلك، فإن كل مَن عنده عِلم يجب عليه في تلك الحال أن يُبَيِّنه، ويُوضِّح الحق من الباطل، فأما المُوفَّقون، فقاموا بهذا أتم القيام، وعلَّموا الناس مما علَّمهم الله، ابتغاء مرضاة ربهم، وشفقةً على الخَلق، وخوفا من إثم الكتمان.

وأما الذين أوتوا الكتاب، مِن اليهود والنصارى ومَن شابههم، فنبذوا هذه العهود والمواثيق وراء ظهورهم، فلم يعبئوا بها، فكتموا الحق، وأظهروا الباطل، تجرؤًا على محارم الله، وتهاونًا بحقوق الله، وحقوق الخَلق، واشتروا بذلك الكتمان ثمنا قليلا، وهو ما يحصل لهم إن حصل مِن بعض الرياسات، والأموال الحقيرة، من سفلتهم المتبعين أهواءهم، المُقَدِّمين شهواتهم على الحق، فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ، لأنه أَخَسُّ العِوض، والذي رَغِبُوا عنه – وهو بيان الحق، الذي فيه السعادة الأبدية، والمصالح الدينية والدنيوية – أعظم المطالب وأَجَلُّها، فلم يختاروا الدنيء الخسيس، ويتركوا الغالي النفيس، إلا لسوء حَظِّهم وهَوَانِهم، وكَوْنِهم لا يَصْلُحون لغير ما خلقوا له».

أشكال التطرف

التطرف له أشكال وصور مختلفة، لكن يمكن أن نحصرها في ثلاثة أنواع:

أولا: التطرف في القول

فمن التطرف في القول كل لفظ لا يحلُّ إطلاقه، فالسبُّ والقذف والهجاء والغيبة والنميمة والكذب، وإطلاق الشائعات، وما شاكل ذلك، كله تطرف في القول.

ثانيا: التطرف في الفعل أو في السلوك

من التطرف في السلوك كل فعل يخالف الشرع، لكنه يختلف باختلاف درجة تحريمه، فهناك كبائر، كالقتل والزنا والسرقة، وهناك صغائر، فكلما كان الفعل كبيرا -يعني ورد فيه حدٌّ، أو وعيد- كان أمره أعظم.

ثالثا: التطرف في المُعتَقَد

ويدخل فيه كل ما خالف المعتقد الصحيح الذي جاء به النبي – صلى الله عليه وسلم – وكان عليه الصحابة الكرام، وسَلَف الأمة – رضوان الله عليهم أجمعين.

فالشرك والكفر والإلحاد، وادعاء الولد، أو الزوجة لله، ودعاء غير الله، وتقديس الأشخاص، وإعطاؤهم صفات لا تليق إلا بالله – جل وعلا – كعلم الغيب والعِصْمة، واليأس والتشاؤم، ونحو هذا، كله من التطرف في الاعتقاد.

علامات التطرف

إن هناك علامات إذا وجدت في شخص، فيمكن أن تكون علامة على تطرفه، ومن هذه العلامات:

أولا: العَجَلة

السرعة والعجلة في الحكم على الأشخاص، أو الأحداث غالبًا ما تؤدي إلى نتائج خاطئة، ولذلك ورد في الحديث: التَّأَنِي مِنَ اللهِ، وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ.

ويزداد الأمر خطورة عندما يكون الأمر متعلقا بعظائم الأمور، لكن نرى هذا الذي يحمل أفكارا متطرفة متسرعا، لا ينظر إلى عواقب الأمور.

ثانيا: عدم الثقة في أي شخص

إن الشخص الذي يحمل في عقله أفكارا متطرفة لا يكاد يثق في أحد، فتراه يشُكُّ في كل شيء، وفي كل شخص، فيعيش قلِقًا مضطربا، يعاني من هذا الشعور الرهيب الذي لا يكاد المرء يغمض عينيه من أجله.

إن العاقل من يتعامل مع الناس على ما ظهر منهم، ولا يسيء الظن بشخص لم يصدر منه ما يحمل على سوء الظن، وإلا وجب الحذر، وهذا هو عين الحكمة.

ثالثا: الانفعال الشديد لأتفه الأمور

فمن علامات وجود التطرف، أنك تجد الشخص سريع الغضب، شديد الانفعال، ليس عنده حكمة في التعامل مع الأمور.

رابعا: عدم النظرة الموضوعية للأمور

فهو دائما يدور بين الإفراط والتفريط، لا ينضبط بضوابط الشرع.

علاج التطرف

إذا اعتبرنا أن التطرف داء، فإنا ندرك أن لكل داء دواء، لكن كيف نضع العلاج لهذا الداء؟

إن علاج التطرف إنما يكون بمعرفة أسبابه التي مرت بنا، ثم العمل على إزالة هذه الأسباب، وهي:

  • أولا: العمل من الجهات المسئولة على نشر العلم الشرعي الصحيح، الذي يدعو إلى الوسطية.
  • ثانيا: العمل على توضيح الأمور والشفافية في التعامل، حتى لا نوقع الناس في متاهة التقديرات والتصورات الخاطئة.
  • ثالثا: الكلام على ما قد يُشكل من النصوص، وبيان رأي أهل العلم فيها، لدفع كل شُبهة.
  • رابعا: بثُّ الأمل في نفوس الشباب، والتأكيد على أن النصر والغلبة ستكون للمسلمين، كما أكد ذلك النبي – صلى الله عليه وسلم – كما في حديث: لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللهُ بِهِ الْإِسْلَامَ،وَذُلًّا يُذِلُّ اللهُ بِهِ الْكُفْرَ.
  • خامسا: إقامة العدل والمساواة بين الناس، ورفع الظلم عنهم.
  • سادسا: قيام أهل العلم بدورهم، من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
  • سابعا: على المجتمع أيضا أن يقوم بدوره، من حيث العمل على تنشئة الأولاد تنشئة صالحة، تعتمد بشكل أساسي على تعاليم الإسلام السمحة، التي تدعو إلى العدل والإحسان والعزة والكرامة.

الكاتبة:

اشترك ببريدك الإلكتروني لاستلام الإشعارات عند توفر معلومات جديدة.