قواعد شرعية لهدم مذهب غلاة التكفير

الشبهات والردود
نوع الخط
  • أصغر شيء صغير متوسط كبير أكبر شيء
  • افتراضي أريال سيجو أميري نوتو نسخ

القاعدة الأولى
أن الإنسان يدخل الإسلام بالشهادتين

وهما: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فمن أقر بالشهادتين بلسانه فقد دخل في الإسلام، وأجريت عليه أحكام المسلمين، وإن كان كافرا بقلبه؛ لأنا أمرنا أن نحكم بالظاهر، وأن نكل إلى الله السرائر، والدليل على ذلك ما يأتي:

١ – أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقبل الإسلام ممن أقر بالشهادتين، ولا ينتظر العمل بمقتضاها، لأن ما أقر به نصًا سيأتي ما بعده دلالة، فاكتفى النبي - صلى الله عليه وسلم - بالشهادتين وقبلها وحكم بإسلام قائلها.

٢ – ما روي عن أسامة بن زيد - رضي الله عنهما - أنه قتل رجلا شهر عليه السيف فقال: لا إله إلا الله، فأنكر عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - أشد الإنكار، وقال: أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟ فقال: إنما قالها تعوذا من السيف؟ فقال: هلا شققت عن قلبه؟!  وفي بعض الروايات: كيف لك بـلا إله إلا الله يوم القيامة؟ .

ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنكر على أسامة بن زيد قتله لمن قال: لا إله إلا الله لما رفع عليه السيف، واشتد نكيره عليه.

٣ –ما روي عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله . وفي رواية لمسلم: حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي، وبما جئت به  . وفي البخاري عن أنس مرفوعًا: حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله.

ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن الناس إذا قالوا: لا إله إلا الله، دخلوا بها في الإسلام، بدليل عصمة دمائهم وأموالهم؛ لأن العصمة إما بالإسلام أو بالعهد والذمة، ولا عهدَ ولا ذمةَ هنا، فلم يبقَ إلا الإسلام.

وربما عورض هذا الحديث بما يروى عن سفيان بن عيينة أنه قال: كان هذا في أول الإسلام قبل فرض الصلاة والصيام والزكاة والهجرة.

وهذا مردود من وجوه:

– رده العلامة ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم بقوله: وهذا ضعيف جدا، وفي صحته عن سفيان نظر، فإن رواة هذه الأحاديث إنما صحبوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المدينة، وبعضهم تأخر إسلامه.

– وأن قوله: عصموا مني دماءهم وأموالهم، يدل على أنه كان عند هذا القول مأمورا بالقتال، وهذا كله بعد هجرته إلى المدينة.

– وأنه من المعلوم والمشهور أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقبل من كل من جاء يريد الدخول في الإسلام، الشهادتين فقط، ويعصم دمه بذلك، ويجعله مسلما، ولم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - يشترط على من جاءه يريد الإسلام أن يلتزم الصلاة والزكاة، بل قد روى أنه قبل من قوم الإسلام واشترطوا ألا يزكوا، والروايات في ذلك معروفة، منها:

  • أ – ما روي عن جابر - رضي الله عنه - قال: اشترطت ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن لا صدقة عليهم ولا جهاد، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: سيتصدقون، ويجاهدون .
  • أ – وما روي عن نصر بن عاصم الليثي، عن رجل منهم أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأسلم على أن لا يُصَلِّي إلا صلاتين، فقَبِلَ منه .
  • أ – وما روي عن حكيم بن حزام قال: بايعت النبي - صلى الله عليه وسلم - على أن لا أخِرَّ إلا قائمًا . قال أحمد: معناه أن يسجد من غير ركوع.

قال ابن رجب: وأخذ الإمام أحمد بهذه الأحاديث، وقال: يصح الإسلام على الشرط الفاسد، ثم يلزم بشرائع الإسلام كلها.

ومن هذه الروايات تتضح دلالتان:

  • الأولى: أن الدخول في الإسلام إنما يكون بالشهادتين، ولهذا جاء عن بعض السلف: الإسلام الكلمة. يعني: كلمة الشهادة. وأما الصلاة والصيام وسائر شرائع الإسلام وفرائضه فإنما يطالب بها بعد أن يصبح مسلمًا، إذ هي لا تصح ولا تقبل إلا من مسلم، أما الكافر فلا صلاة له ولا صيام ولا حج، لفقدانه شرط القبول وهو الإسلام.
  • الثانية: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عالج مواقف بعض الداخلين بكل مرونة وسعة صدر وأفق، فلأنه - صلى الله عليه وسلم - يعلم طباع من يأتيه، وربما أعلمه الله - عز وجل - أن ما شرطه هذا المسلم لا يلبث عليه، فقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - ما قالوا كما جاء في الروايات في حين أنه رفض مثل ما قالوه من غيرهم، فقد جاء عن بشير بن الخصاصية أنه أراد أن يبايع النبي - صلى الله عليه وسلم - على الإسلام دون أن يتصدق أو يجاهد، فكف يده عنه وقال: يا بشير، لا جهاد ولا صدقة، فبمَ تدخل الجنة إذن .

ولكنه قَبِل هذا من ثقيف، لعلمه بأنهم لن يجمدوا على هذا الموقف، وأنهم إذا حسن إسلامهم سيصنعون ما يصنع سائر المسلمين، ولهذا قال في ثقة عنهم: سيتصدقون ويجاهدون.

القاعدة الثانية
من مات على التوحيد استوجب الجنة

ويدل على ذلك ما جاء في الأحاديث الصحيحة الصريحة:

  • ١ – فعن عبادة بن الصامت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: من شهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من عمل .
  • ٢ – وعن أبي ذر قال: أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما من عبد قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة .
  • ٣ – وعن أنس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن بُرَّة يعني حبة قمح .
  • ٤ – وعن أبي ذر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: أتاني جبريل فبشرني: أنه من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. قلت: وإن زَنَى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق .
  • ٥ – وعن عبادة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: من يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، حرم الله عليه النار .

وكتب السنة ذاخرة بمثل هذه الأحاديث الصحيحة والصريحة، التي تدل دلالة واضحة على أن من مات على التوحيد استحق عند الله أمرين:

الأول: النجاة من الخلود في النار، وإن اقترف من المعاصي ما اقترف، سواء منها ما يتعلق بحقوق الله كالزنا، أو بحقوق العباد كالسرقة، وإن دخل بذنوبه النار فسيخرج منها لا محالة، ما دام في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان.

الثاني: دخول الجنة لا محالة، وإن تأخر دخوله، فلم يدخلها مع السابقين بسبب عذابه في النار لمعاصٍ لم يتب منها.

وتدل هذه الأحاديث أيضًا على دخول الجنة ابتدًاء برحمة الله –سبحانه-، أو انتهاءً بعد عذابه ببعض الذنوب التي تظاهرت النصوص على أن مقترفها سيعذب، وذلك حتى لا يستشكل علينا بعض الأحاديث الواردة في تحريم الجنة على مرتكبي بعض الذنوب، أو بعضها الذي يوجب العذاب، فالمراد منها عدم التخليد في النار كالكافر والمنافق، أما المسلم الذي في قلبه مثقال حبة من إيمان سيدخل الجنة انتهاء بعد عذابه بذنوبه، وهذا جمع بين الأحاديث.

القاعدة الثالثة
أن الإنسان يحكم بإسلامه بالشهادتين ويكون ملتزما بجميع أحكام الإسلام

والالتزام يعني الإيمان بفرائض الشرع، والتسليم لله - عز وجل - فيها، والعمل بموجبها، فلا بد أن يكون مسلما راضِيًا بشريعة الله، محلا حلالها، محرما حرامها، معتقدًا بوجوب ما أوجبت، واستحباب ما أحبت، وقد نص القرآن على ذلك في قوله تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36]، وقوله تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا .

وشريعة الله عقائد وعبادات ومعاملات وحدود وأخلاق، فعلى المسلم أن يلتزم بها، فهي مقتضيات الشهادتين وموجباتها، وهي ثابتة بالكتاب والسنة بأدلة قطعية الثبوت فلا يتطرق إليها ريب ولا شبهة أنها من دين الله وشرعه، وأصبحت معلومًا من الدين بالضرورة لا تنكر ولا تجحد، ولا يستخف بها، فمن أنكرها فقد أنكر أدلتها من القرآن والسنة، وعليه فإنه يكفر كفرًا صريحًا.

وعلامة هذا المعلوم من الدين بالضرورة أنه لا يحتاج إلى دليل على فرضيته، وإنما عرف بالنقل والفعل، واشتهر بين الناس أن هذه الفريضة من شريعة الله كالصلاة مثلا، وغيرها من أركان الإسلام، وحرمة القتل والزنا وأكل الربا وشرب الخمر ونحوها من الكبائر، ومثل الأحكام القطعية في الزواج والطلاق والميراث والحدود والقصاص وما شابهها.

فمن أنكر شيئا من هذه الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة، أو استخف بها واستهزأ فقد كفر كفرا صريحًا، وحكم عليه بالردة عن الإسلام؛ وذلك لأن هذه الأحكام نطق بها القرآن، وتواترت بها الأحاديث الصحيحة، وأجمعت عليها الأمة سلفًا واشتهر ذلك خلفًا، فمن كذَّب بها فقد كذب نص القرآن والسنة، وهذا كفر.

ولم يستثنَ من ذلك إلا من كان حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة عن أمصار المسلمين، ومظان العلم، فهذا يعذر إذا أنكر هذه الضروريات الدينية، حتى يعلم ويفقه في دين الله، فيجري عليه بعد ذلك ما يجري على سائر المسلمين.

القاعدة الرابعة
كبائر المعاصي تنقص الإيمان ولكنها لا تهدمه

إن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهذا ما عليه أهل السنة والجماعة، فكبائر المعاصي بها يتناقص الإيمان ولكن لا يقتلع من أصله، ولا ينتفي بالكلية، وقد مر بنا نحو ذلك في رد وجه استدلال الغلاة بقوله - تعالى -: فَلاَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا .

وهناك دلائل كثيرة تدل على أن الكبيرة لا تنفي الإيمان، منها:

١ – أنها لو كانت تنفي الإيمان لكانت عقوبة الزاني والسارق وقاطع الطريق وشارب الخمر والقاتل القتلَ حدًّا؛ لتساوي هذه الكبائر مع الكفر، فيكون بفعلها مرتدًا، وهذا مخالف للكتاب والسنة والإجماع.

٢ – أن الله - عز وجل - أثبت الإيمان للطائفتين المقتتلتين في قوله تعالى: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ، وقال بعد ذلك: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ، فأثبت لهم الإيمان والأخوة الدينية مع وجود الاقتتال.

٣ – وقع في الحديث الصحيح قوله - صلى الله عليه وسلم -: لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم وجوه بعض .

٤ – ووقع في حديث آخر الحكم بإسلام المتقاتلين في قوله - صلى الله عليه وسلم -: إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار ، واستدل البخاري بهذا الحديث بأن المعاصي لا يكفر صاحبها؛ لأن الرسول سماهما مسلمين مع توعدهما بالنار.

٥ – وعن عمر بن الخطاب: أن رجلا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان اسمه عبد الله وكان يلقب: حمارا، وكان يضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد جلده في الشراب، فأتى به يوما، فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العَنْه، ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تلعنوه، فوالله ما علمت أنه لا يحب الله ورسوله ، وفي بعض روايات الحديث: لقد علمت أنه يحب الله ورسوله، وفي بعضها: ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله.

يقول الحافظ ابن حجر في بيان فوائد هذا الحديث في الفتح: 

أ – فيه الرد على من زعم أن مرتكب الكبيرة كافر، لثبوت النهي عن لعنه، والأمر بالدعاء له.

ب – وفيه أن لا تنافي بين ارتكاب النهي وثبوت محبة الله ورسوله في قلب المرتكب، لأنه -صلى الله عليه وسلم-‏ أخبر بأن المذكور يحب الله ورسوله، مع وجود ما صدر عنه.

جـ – وأن من تكررت منه المعصية لا تنزع منه محبة الله ورسوله.

د – ويؤخذ منه تأكيد ما تقدم أن نفي الإيمان عن شارب الخمر-أي في حديث: لا يشرب الخمر وهو مؤمن- لا يراد به زواله بالكلية، بل نفي كماله.

٦ – ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سيشفع لأهل الكبائر من أمته، وهذا فيه دلائل:

أولهما: أنه لم يخرجهم باقتراف الكبيرة عن الأمة، فلو أخرجهم وحكم بكفرهم فلا يشفع لهم.

ثانيهما: أنهم غير مخلدين في النار، وهذا خلاف ما عليه الكافرون، فهم مخلدون.

ثالثهما: أن مثل هؤلاء في رحمة الله إن شاء عذبهم وإن شاء عفا عنهم، فلا يدخلهم النار أصلا وإن استوجبوها بذنوبهم، وهذا لا يكون لأهل الكفر.

القاعدة الخامسة
أن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك

وهي قاعدة قرآنية، قال – تعالى -: إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلا بَعِيدًا .

وهي تؤكد القاعدة السابقة، فإن المعاصي تحت سلطان المشيئة الإلهية، من شاء غفر له، ومن شاء عاقبه، وهذا لا يكون قطعًا للكافر.

وقد بيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما في الآية من فضل على عباد الله المسلمين، فقد روى عبادة بن الصامت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال وحوله عصابة من أصحابه: بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفَّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه .

قال المازري: في الحديث رد على الخوارج الذين يكفرون بالذنوب، ورد على المعتزلة الذين يوجبون تعذيب الفاسق إذا مات بلا توبة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر بأنه تحت المشيئة ولم يقل: لا بد أن يعذبه.

وقال الطيبي: فيه الإشارة إلى الكف على الشهادة بالنار على أحد إلا من ورد النص فيه بعينه .

القاعدة السادسة
انقسام الكفر الوارد في النصوص إلى أكبر وأصغر

إن الكفر في لغة القرآن والسنة، قد يراد به الكفر الأكبر، وهو الذي يخرج الإنسان من الملة، بالنسبة لأحكام الدنيا، ويوجب له الخلود في النار بالنسبة لأحكام الآخرة، وقد يراد به الكفر الأصغر، وهو الذي يوجب لصاحبه الوعيد دون الخلود في النار، ولا ينقل صاحبه من ملة الإسلام، إنما يدمغه بالفسوق أو العصيان.

فالكفر بالمعنى الأول هو: الإنكار أو الجحود المتعمد لما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - أو بعض ما جاء به، مما علم من دينه بالضرورة.

والكفر بالمعنى الثاني: يشمل المعاصي التي يخالف بها أمر الله تعالى، أو يرتكب بها ما نهى عنه، وفيه جاءت أحاديث كثيرة، مثل: من حلف بغير الله فقد كفر أو فقد أشرك ، وسباب المسلم فسوق وقتاله كفر .

وإنما قلنا: إن الكفر الوارد في هذه النصوص وأمثالها ليس كفرا ناقلا عن الملة، لأدلة أخرى، فقد تقاتل الصحابة، ولم يكفر بعضهم بعضا بذلك.

والمنقول عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يقينًا: إنه لم يكفر من قاتله في معركة الجمل أو صفين، وإنما اعتبرهم بغاة، وقد صح الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعمار: تقتلك الفئة الباغية… ، كما صح الحديث في الخوارج أنهم: تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق ، وقد قاتلهم علي رضي الله عنه ومن معه.

كما أثبت القرآن إيمان الطائفتين المقتتلتين: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا، وكما أثبت الأخوة الدينية بينهم إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.

ومثل ذلك قوله: من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك، أو من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقوله فقد كفر بما أنزل الله على محمد  ونحوها.

فلم يعتبره أحد من السلف أو الخلف كفرًا مخرجًا من الملة، وردة عن الإسلام.

ويجلي ابن القيم هذه القاعدة فيقول:

«الكفر الأكبر يقابله الإيمان، يقال: مؤمن وكافر، كما في مثل قوله – تعالى -: فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ  وأمثالها في القرآن.

أما الكفر الأصغر فيقابله: الشكر، فالإنسان إما شاكر للنعمة، أو كافر بها، غير قائم بحقها، وإن لم يكفر بمنعها، قال تعالى في وصف الإنسان: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا » .

وهذا التقسيم نفسه يجري في الشِّرْك وفي النفاق وفي الفسق وفي الظلم، فكل منها ينقسم إلى الأكبر الذي يوجب التخليد في النار، والأصغر الذي لا يوجب ذلك، ولا ينقل عن الملة.

وقد ذكر البخاري في صحيحه (باب: ظلم دون ظلم) واستدل بحديث ابن مسعود لما نزلت آية الأنعام:الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ، قال الصحابة: يا رسول الله، وأينا لم يظلم نفسه؟ قال: ليس كما تقولون: لم يلبسوا إيمانهم بظلم: بشرك، أو لم تسمعوا قوله - تعالى -:إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ  .

ووجه الدلالة من الحديث: أن الصحابة فهموا من قوله {بظلم} عموم أنواع المعاصي، ولم ينكر عليهم النبي –صلى الله عليه وسلم- ذلك، وإنما بيَّن لهم أن المراد: أعظم أنواع الظلم وهو الشرك، فدل على أن الظلم مراتب متفاوتة .

القاعدة السابعة
اجتماع بعض شعب الإيمان مع شعب الكفر أو النفاق أو الجاهلية

والنصوص التي توضح هذه القاعدة فيما يأتي:

  • ١ – روي في الصحيح: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي ذر - رضي الله عنه -: إنك امرؤ فيك جاهلية ، وهذا هو أبو ذر في سابقته وصدقه وجهاده.
  • ٢ – وفي الحديث: من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق .
  • ٣ – وعن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - قال: القلوب أربعة: قلب أغلف، فذلك قلب الكافر، وقلب مصفح وذلك قلب المنافق، وقلب أجرد، فيه سراج يزهو، فذلك قلب المؤمن، وقلب فيه إيمان ونفاق، فمثل الإيمان فيه كمثل شجرة يمدها ماء طيب، ومثل النفاق مثل قرحة يمدها قيح ودم، فأيهما غلب عليه غلب .
  • ٤ – وعن علي بن أبي طالب قال: إن الإيمان يبدو لمظة بيضاء في القلب، فكلما ازداد العبد إيمانًا ازداد القلب بياضًا، حتى إذا استكمل الإيمان ابيضَّ القلب كله، وإن النفاق يبدو لمظة سوداء في القلب، فكلما ازداد العبد نفاقا ازداد القلب سوادا، حتى إذا استكمل العبد النفاق اسود القلب، وايم الله لو شققتم عن قلب المؤمن لوجدتموه أبيض، ولو شققتم عن قلب الكافر لوجدتموه أسود .
  • ٥ – وقال ابن مسعود: الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل .
  • ٦ – ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر شُعَبَ الإيمان وذكر شعب النفاق، وقال: من كانت فيه شعبة منهن كانت فيه شعبة من النفاق حتى يدعها . وربما تكون هذه الشعبة معها كثير من شعب الإيمان.
  • ٧ – وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ويخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان ، فعلم أن من كان معه من الإيمان أقل القليل لم يخلد في النار، وأن من كان معه كثير من النفاق، فهو يعذب على قدر ما معه من ذلك، ثم يخرج من النار.
  • ۸ – وقوله – تعالى - للأعراب: قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ، فقد نفى حقيقة دخول الإيمان في قلوبهم، وذلك لا يمنع أن يكون فيهم شعبة منه، كما نفاه عن الزاني والسارق، ومن لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ومن لا يأمن جاره بوائقه، وغير ذلك… فإن في القرآن والحديث من نفي عنه الإيمان لترك بعض الواجبات شيء كثير. 

دلالة مجمل هذه النصوص:

لقد أورد ابن تيمية هذا النصوص وعلق على وجه دلالتها بما لا مزيد عليه فقال:

«من كان فيه إيمان ونفاق يسمى مسلما، إذ ليس هو دون المنافق المحض، وإذا كان نفاقه أغلب لم يستحق اسم الإيمان، بل اسم المنافق أحق به، فإن ما فيه بياض وسواد، وسواده أكثر من بياضه، هو باسم الأسود أحق منه باسم الأبيض، كما قال – تعالى -: هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ .

وأما إذا كان إيمانه أغلب، ومعه نفاق يستحق به الوعيد، لم يكن أيضا من المؤمنين الموعودين بالجنة أي: مع السابقين، وإن استحقها بإيمانه بعد العذاب إن لم يُشفع له أو يعفُ الله عنه».

قال: وطوائف أهل الأهواء –من الخوارج والمعتزلة والجهمية والمرجئة- يقولون: إنه لا يجتمع في العبد إيمان ونفاق، ومنهم من يدعي الإجماع على ذلك، ومن هنا غلطوا فيه، وخالفوا فيه الكتاب والسنة وآثار الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، مع مخالفة صريح المعقول.

بل الخوارج والمعتزلة طردوا هذا الأصل الفاسد، وقالوا: لا يجتمع في الشخص الواحد طاعة يستحق بها الثواب، ومعصية يستحق بها العقاب، ولا يكون الشخص الواحد محمودًا من وجه، مذموما من وجه، ولا محبوبا مدعوا له من وجه، ومسخوطا ملعونا من وجه، ولا يتصور أن الشخص الواحد يدخل الجنة والنار جميعا عندهم، بل من دخل إحداهما لم يدخل الأخرى، ولهذا أنكروا خروج أحد من النار، أو الشفاعة في أحد من أهل النار.

وحكى عن غالية المرجئة: أنهم وافقوهم على هذا الأصل، ولكن هؤلاء قالوا: إن أهل الكبائر يدخلون الجنة، ولا يدخلون النار، مقابلة لأولئك.

وأما أهل السنة والجماعة والصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر طوائف المسلمين من أهل الحديث والفقهاء، وأهل الكلام فيقولون: إن الشخص الواحد قد يعذبه الله بالنار ثم يدخله الجنة، كما نطقت بذلك الأحاديث الصحيحة، وهذا الشخص الذي له سيئات عذب بها، وله حسنات دخل بها الجنة وله معصية وطاعة باتفاق، فإن هؤلاء الطوائف لم يتنازعوا في حكمه، لكن تنازعوا في اسمه؛ فقالت المرجئة: هو مؤمن كامل الإيمان. وأهل السنة والجماعة على أنه مؤمن ناقص الإيمان، ولولا ذلك لما عُذِّبَ، كما أنه ناقص البر والتقوى باتفاق المسلمين.

وهل يطلق عليه اسم مؤمن؟

هذا فيه القولان… والصحيح التفصيل.

فإذا سئل عن أحكام الدنيا كعتقه في الكفارة قيل: هو مؤمن، وكذلك إذا سئل عن دخوله في خطاب المؤمنين؛ أي في مثل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ، وأما إذا سئل عن حكمه في الآخرة قيل: ليس هذا النوع من المؤمنين الموعودين بالجنة، بل معه إيمان يمنعه الخلود في النار، ويدخل به الجنة بعد أن يعذب في النار، إن لم يغفر الله له ذنوبه… لهذا قال من قال: هو مؤمن بإيمانه فاسقٌ بكبيرته، أو مؤمن ناقص الإيمان.

والذين لا يسمونه مؤمنا من أهل السنة والمعتزلة يقولون: اسم الفسوق ينافي اسم الإيمان لقوله - تعالى -: بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ، وقوله – سبحانه -: أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَ يَسْتَوُونَ ، قال: وعلى هذا الأصل، فبعض الناس يكون معه شعبة من شعب الكفر، ومعه إيمان أيضا.

وعلى هذا ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في تسمية كثير من الذنوب كفرا، مع أن صاحبها قد يكون معه أكثر من مثقال ذرة من إيمان، فلا يخلد في النار، كقوله: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر، وقوله: لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض.

وهذا مستفيض عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح من غير وجه، فإنه أمر في حجة الوداع أن ينادى به في الناس، فقد سمى من يضرب بعضهم رقاب بعض – بلا حق - كفارا، ويسمى هذا الفعل كفرا، ومع هذا فقد قال تعالى: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا إلى قوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ .

فبيَّن أن هؤلاء لم يخرجوا من الإيمان بالكلية، ولكن فيهم ما هو كفر، وهو هذه الخصلة، كما قال بعض الصحابة: كفر دون كفر. وكذلك قوله: من قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما، فقد سماه أخًا حين القول، وقد أخبر أن أحدهما باء بها، فلو خرج أحدهما عن الإسلام بالكلية لم يكن أخاه، بل فيه كفر.» 

القاعدة الثامنة
تفاوت مراتب الأمة في الطاعة

وهي تأكيد للقاعدة السابعة: أن مراتب الناس متفاوتة في امتثالهم لأمر الله –تعالى-، واجتنابهم لنهيه، ولهذا تفاوتت درجات إيمانهم وقربهم من الله -عز وجل-، ومن هنا قرر سلف الأمة أن الإيمان يزيد وينقص، ودل على ذلك بالكتاب والسنة… قال – تعالى -: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ .

فقد قسم الله - عز وجل - الأمة التي أورثها الكتاب، واصطفاها من عباده ثلاثة أصناف:

  • ظالمٌ لنفسه، وهو كما قال ابن كثير: المُفَرِّطُ في فعل بعض الواجبات المرتكب بعض المحرمات.
  • مقتصد، وهو المؤدي للواجبات، التارك للمحرمات، وقد يترك بعض المستحبات، ويفعل بعض المكروهات
  • وسابق للخيرات، وهو الفاعل للواجبات والمستحبات، التارك للمحرمات والمكروهات، وبعض المباحات 

وهؤلاء الأصناف الثلاثة ينطبقون على الطبقات أو المراتب الثلاث المذكورة في حديث جبريل المشهور وهي: الإسلام، والإيمان، والإحسان. وأخبر الله –تعالى- عن هؤلاء الأصناف الثلاثة –وفيهم الظالم لنفسه- بأنهم من أهل الجنة.

وروي عن ابن عباس بسند صحيح في تفسير الآية قوله: هم أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ورَّثَهُمُ الله كل كتاب أنزله، فظالمهم يغفر له، ومقتصدهم يحاسب حسابا يسيرا، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب .

ومن صور تفاوت الإيمان:

  • ظالم لنفسه ولكنه يكره الكفر والفسوق والعصيان.
  • أدنى درجات الإيمان أن يغير المسلم المنكر بقلبه.
  • وأرفع من ذلك درجة أن يغيره بلسانه إن استطاع.
  • وأرفع من هذه أن يغيره بيده إن استطاع.

وهذا ما جاء به الحديث الصحيح المشهور على الألسنة: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فمن لم يستطع فبلسانه، فمن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ، فإذا كان التغيير بالقلب أضعف الإيمان، فمعنى هذا أن من فقد هذه الدرجة -درجة أضعف الإيمان- فقد الإيمان كله، ولم يبقَ له منه شيء.

وهذا ما روي عن ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنه يخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل .

د . عثمان بن عبدالرحيم القميحي

اشترك ببريدك الإلكتروني لاستلام الإشعارات عند توفر معلومات جديدة.