شبهة الخوارج في تكفير الحكام

الشبهات والردود
نوع الخط
  • أصغر شيء صغير متوسط كبير أكبر شيء
  • افتراضي أريال سيجو أميري نوتو نسخ

من أعظم الشُّبه التي يدندن بها الخوارج في تكفير الحكَّام مطلقًا، هيَ احتجاجهم بقول الله تعالى: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ، فيقولون: إذن هذا الحاكم لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر.

احتجاج الخوارج بقوله تعالى: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ وكلام العلماء حول هذه الآية من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ومن العلماء المعاصرين

  1. عن طاوس عن عبدالله بن عباس – رضي الله عنه – في قوله تعالى: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ : ليس الكفر الذي تذهبون إليه، وفي رواية: إنَّه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، إنه ليس كفر ينقل عن الملَّة: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ : كُفْرٌ دُوْنَ كُفْرٍ.

    وقد تُوبع طاوس عليه عن ابن عباس – رضي الله عنه –، تابعه عليُّ بن أبي طلحة عنه، بلفظ: من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقرَّ به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق.

    فأصل هذه المسألة: هو ما تقدم عن ابن عباس – رضي الله عنه –، وأمَّا قول الخوارج فلم يقل فيه إمام من الأئمة ولا مفسر من المفسرين.

  2. قال ابن القيم الجوزية – رحمه الله – في «مدارج السالكين» (1 / 335–336): وهذا تأويل ابن عباس – رضي الله عنه – وعامه الصحابة – رضي الله عنهم – في قوله تعالى: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ . قال ابن عباس – رضي الله عنه –: ليس بكفر ينقل عن الملَّة، بل إذا فعله فهو به كفر، وليس كمن كَفَرَ بالله واليوم الآخر.
  3. وقال عطاء: هو كُفْرٌ دُوْنَ كُفْرٍ، وظُلْمٌ دُوْنَ ظُلْمٍ، وفِسْقٌ دُوْنَ فِسْقٍ.

    واعلم أنَّ أهل السُّنَّة والجماعة من أصحاب الحديث والأثر، أتباع السَّلف الصَّالح، متَّفقون على تلقي هذا الأثر عن حَبْرِ هذه الأمة وترجمان القرآن ابن عباس – رضي الله عنه – بالقبول، ومجمعون على صحته، فهم عاملون به داعون إليه.

    قال الحاكم – رحمه الله – في «المستدرك» (ص2 / 393): هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

    ونقل الحافظ ابن كثير – رحمه الله – في «تفسير القرآن العظيم» (2 / 64) عنه قوله: صحيح على شرط الشيخين واحتج به.

  4. وقال شيخ المفسرين الطبري – رحمه الله – في «جامع البيان» (6 / 166–167):

    «وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال: نزلت الآيات في كفار أهل الكتاب؛ لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات، ففيهم نزلت، وهم المعنيون بها، فهذه الآيات سياق الخبر عنهم، فكونها خبرٌ عنهم أولى.

    فإن قال قائل: فإن الله – تعالى ذكره – قد عمَّ بالخبر بذلك عن جميع من لم يحكم بما أنزل الله، فكيف جعلته خاصًا؟ قيل أن الله تعالى عمَّ بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين، فأخبر عنهم أنهم بشركهم الحكم على سبيل ما تركوه كافرون، وكذلك القول في كلِّ من لم يحكم بما أنزل لله جاحدًا به، هو بالله كافر، كما قال بن عباس».

  5. وقال الإمام أبو المظفر السمعاني – رحمه الله – في «تفسير القرآن» (2 / 42):

    «(وقال ابن عباس: الآية في المسلمين، وأراد به كفرًا دون كفرٍ، واعلم أن الخوارج يستدلون بهذه الآية ويقولون: من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر، وأهل السنة قالوا: لا يكفر بترك الحكم.

    وللآية تأويلان:

    • أحدهما: ومن لم يحكم بما أنزل الله ردًّا وجحدًا، فأولئك هم الكافرون.
    • الثاني: ومن لم يحكم بكل ما أنزل الله فألئك هم الكافرون، والكافر هو الذي يترك الحكم بكل ما أنزل الله دون المسلم».
  6. وقال أبوبكر بن العربي – رحمه الله – «أحكام القرآن» (2 / 624–625):

    «اختلف فيه المفسرون، فمنهم من قال: الكافرون والظالمون والفاسقون، كُلُّهُ لليهود، ومنهم من قال: الكافرون للمشركين، والظالمون لليهود، والفاسقون للنصارى، وبه أقول؛ لأنه ظاهر الآيات، وهو اختيار ابن عباس، وجابر بن زيد، وابن أبي زائدة، وابن شبرمة. وقال طاووس وغيره: ليس بكفر ينقل عن الملَّة، ولكنه كُفْرٌ دون كُفْرٍ.

    هذا يختلف:

    • إن حكم بما عنده على أنَّه من عند الله، فهو تبديلٌ له يوجب الكفر.
    • وإن حكم به هوًى ومعصيةً، فهو ذَنْبٌ تدركه المغفرة، على أصل أهل السُّنَّة في الغفران».
  7. وقال القرطبي – رحمه الله – في «الجامع لأحكام القرآن» (6 / 190): …فأمَّا المسلم فلا يكفر وإن ارتكب كبيرةً.
  8. وقال البقاعي – رحمه الله – في «نضم الدرر» (2 / 460): ولمَّا نهى عن الأمرين، وكان ترك الحكم بالكتاب إمَّا لاستهانة، أو لخوف، أو رجاءً، أو شهوةً، رتَّب ختام الآيات على الكفر والظلم والفسوق، قال ابن عباس – رضي الله عنه –: من جحد حكم الله كفر، ومن لم يحكم به وهو مقرٌّ فهو ظالم فاسق.
  9. وقال أبوحيان – رحمه الله – في «البحر المحيط» (3 / 492): وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ : ظاهر هذا العموم، فيشمل هذه الأمة وغيرهم ممن كان قبلهم، وإن كان الظَّاهر أنَّه في سياق خطاب اليهود، وإلى أنَّها عامة في اليهود وغيرهم، ذهب ابن مسعود وإبراهيم وعطاء وجماعة، ولكن كُفرٌ دون كفر، وظُلْمٌ دون ظُلْمٍ، وفِسْقٌ دون فِسْقٍ، يعني: أنَّ كفر المسلم ليس مثل كفر الكافر، وكذلك ظلمه وفسقه لا يخرجه ذلك عن الملَّة، قاله ابن عباس وطاووس.
  10. وقال الخازن – رحمه الله – في «تفسيره» (1 / 310) مختصره: فقال جماع من المفسرين: إن الآيات الثلاث نزلت في الكفار، ومن غير حكم الله من اليهود؛ لأن المسلم وإن ارتكب كبيرةً لا يقال: إنه كافر، وهذا قول ابن عباس وقتادة والضَّحاك، ويدلُّ على صحَّة هذا القول، ما روي عن البراء بن عازب – رضي الله عنه –.
  11. وقال جمال الدين القاسمي – رحمه الله – في «محاسن التأويل» (6 / 1998م): كفر الحاكم بغير ما أنزل الله، بقيد الاستهانة والجحود له، وهو الذي نحاه كثيرون، وأثروه عن عكرمة وابن عباس.
  12. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في «مجموع الفتاوى» (7 / 312): وإذا كان من قول السَّلف أنَّ الإنسان يكون فيه إيمان ونفاق، فكذلك في قولهم: إنَّه يكون فيه إيمان وكفر، وليس هو الكفر الذي ينقل عن الملَّة، كما قال ابن عباس وأصحابه في قوله تعالى: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ  قالوا: كفروا كفرًا لا ينقل عن الملَّة. وقد تبعهم على ذلك أحمد وغيرهم من أئمة السُّنَّة.
  13. وقال أيضًا – رحمه الله – في (7 / 522): وقال ابن عباس وغير واحد من السَّلف في قوله تعالى: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ : فأولئك هم الظالمون، فأولئك هم الفاسقون، كُفْرٌ دون كُفْرٍ، وظُلْمٌ دون ظُلْمٍ، وفِسْقٌ دون فِسْقٍ، وقد ذكر ذلك أحمد والبخاري وغيرهما.
  14. وقال – رحمه الله – في (7 / 350–351): وقد يكون مسلِمًا، وفيه كُفْرٌ دون الكُفْرِ الذي يَنْقُلُ عن الإسلام بالكُلِّيَّةِ، كما قال الصحابة، ابن عباس، وغيره: كُفْرٌ دون كُفْرٍ، وهذا قول عامَّة السَّلَفِ، وهو الَّذي نصَّ عليه أحمد وغيره.
  15. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في «مجموع الفتاوى» (3 / 267–268): والإنسان متَّى حلَّل الحرام – المجمع عليه –، أو حرَّم الحلال – المجمع عليه –، أو بدَّل الشَّرع – المجمع عليه –، كان كافرًا مرتدًّا باتفاق الفقهاء، وفي مثل هذا نزل قوله تعالى على أحد القولين: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ  أي: المُسْتَحِلُّ للحكم بغير ما أنزل الله.
  16. وقال ابن الجوزي – رحمه الله – في «زاد الميسر» (2 / 366–367):

    «والمراد بالكفر المذكور في الآية قولان:

    • أحدهما: أنه الكفر بالله تعالى.
    • والثاني: أنه الكفر بذلك الحكم، وليس بكفر ينقل عن الملَّة.

    وفصل الخطاب: أن من لم يحكم بما أنزل الله جاحدًا له وهو يعلم أن الله أنزله كما فعلت اليهود فهو كافر، ومن لم يحكم به ميلًا إلى الهوى من غير جحود، فهو ظالم فاسق، وقد روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال: من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقرَّ بِهِ ولم يحكم به فهو ظالم فاسق».

  17. وقال البيضاوي – رحمه الله – في «تفسيره» (1 / 468): وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ مستهينًا به منكرًا له: فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ لاستهانتهم به، وتمردهم؛ بأن حكموا بغيره، ولذلك وصفهم بقوله: الكافرون الظالمون الفاسقون فكفَّرَهم لإنكاره، وظَلَّمَهُم بالحكم على خلافه، وفسَّقَهُمْ بالخروج عنه.
  18. وقال الفخر الرازي – رحمه الله – في «التفسير الكبير» (6 / 6): وقال عكرمة: قوله: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ  إنَّما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه، أمَّا من عرف بقلبه كونه حكم الله، وأقرَّ بلسانه حكم الله، إلَّا أنه أتى بما يضادة، فهو حاكم بما أنزل الله تباك وتعالى، ولكنه تاركٌ له، فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية، وهذا هو الجواب الصحيح، والله أعلم.
  19. وقال الشيخ العلامة الشنقيطي – رحمه الله – في «أضواء البيان» (2 / 104): واعلم أنَّ تحرير المقام في هذا البحث: أن الكفر والظلم والفسق كُلُّ واحدٍ منها أُطْلِقَ في الشَّرع مُرادًا به المعصية تارةً، والكفرُ المخرجُ من الملَّة أخرى: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ  معارضة للرسل وإبطال لأحكام الله، فظلمه وفسقه وكفره كلها مخرجة عن الملَّة… وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ  معتقدًا أنه مرتكب حرامًا فاعل قبيحًا، فكفره وظلمه وفسقه غير مخرج من الملَّة.
  20. وقال الشيخ السعدي – رحمه الله – في «تيسير الكريم الرحمن» (2 / 296–297): فالحكم بغير ما أنزل الله من أعمال أهل الكفر، وقد يكون كفرًا يَنْقُلُ عن الملَّة، وذلك اعتقاد جُلِّهِ وجوازه، وقد يكون كبيرةً من كبائر الذنوب ومن أعمال الكفر قد استحق من فَعَلَهُ العذاب الشديد… وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ  قال ابن عباس: كُفْرٌ دون كُفْرٍ، وظُلْمٌ دون ظُلْمٍ، وفِسْقٌ دون فِسْقٍ، فهو ظُلْمٌ أكبر عند استحلاله، وعظيمةً كبيرةٌ عند فعله غير مستحل له.
  21. وقال العلامة الألباني في «الصحيحة» (6 / 109–116): وقد جاء عن السَّلف ما يدعمها، وهو قولهم في تفسير الآية: كفر دون كفر صحَّ ذلك عن ترجمان القرآن: عبدالله بن عباس – رضي الله عنه –، ثم تلقَّاه عنه بعض التابعين وغيرهم، ولابد من ذِكْرِ ما تَيَسَّر لي عنهم، لعل في ذلك إنارةً للسَّبيل، أمام من ضَلَّ اليوم في هذه المسائل الخطيرة، ونحا نَحْوَ الخوارج الذين يكفِّرون المسلمين بارتكابهم المعاصي، وإن كانوا يُصَلُّون ويصُومُون… ثم ساق – رحمه الله – بعض الآثار المتقدمة وخرَّجها وبين صحَّتها.
  22. وقال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – في تعليقه على كتاب «التخدير من فتنة التكفير» (صـ68–69):

    «لكن لمَّا كان هذا (الآثر) لا يُرْضِي هؤٰلاء المفتونين بالتكفير، صاروا يقولون: هذا الأثر غير مقبول، ولا يصحُّ عن ابن عباس! فيقال لهم: كيف لا يصحُّ وقد تلقاه من هو أكبر منكم وأفضل وأعلم بالحديث، وتقولون: لا نقبل. ثم هب أن الأمر كما قلتم إنه لا يصح عن ابن عباس، فلدينا نصوصًا أخرى تدلُّ على أن الكفر قد يطلق ولا يراد به الكفر المخرج من الملَّة، كما في الآية المذكورة، وكما في قوله – صلى الله عليه وسلم –: اثْنَتَانِ بِالنَّاسِ هُمْ بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ وَالنِّيَاحَةُ عَلَى المَيِّتِ. وهذه لا تخرج عن الملَّة بلا إشكال، لكن كما قيل: قلة البضاعة من العلم، وقلة فهم القواعد الشرعيَّة العامة، هي التي توجب هذا الضلال، ثم شيئٌ آخر نضيفه إلى ذلك، وهو: سوءُ الإرادة التي تستلزم سوءَ الفهم، لأنَّ الإنسان إذا كان يريد شيئًا لزم من ذلك أن ينتقل فهمة إلى ما يريد، ثم يحرِّفُ النُّصوص على ذلك، وكان من القواعد المعروفة عند العلماء، أنهم يقولون: استدل ثم اعتقد، لا تعتقد ثم تستدل فتضل.

    فالأسباب ثلاثة هي:

    • الأول: قلة البضاعة من العلم الشرعي.
    • الثاني: قلة فقة القواعد الشرعية.
    • والثالث: سوء الفهم المبنى على سوء الإرادة.

    وأمَّا بالنسبة لأثر ابن عباس – رضي الله عنه – فيكفينا أن علماء جهابذة كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما، كلهم تلقوه بالقبول، ويتكلمون به، وينقلونه فالأثر صحيح».

  23. وأخيرًا نختم الجواب على هذه الشبهة، بكلمةٍ طيبةٍ مفصلةً للشيخ العلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني – رحمه الله – كما في «التحذير من فتنة التكفير» (صـ56–72) ما نصُّهُ:

    «…ومن هؤٰلاء الخوارج قدماء ومحدثين، فإن أصل فتنة التكفير في هذا الزمان، – بل منذ أزمان – هو آية يدندنون دائمًا حولها ألَّا وهي قوله تعالى: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ  فيأخذونها من غير فهوم عميقة، ويوردونها بلا معرفة دقيقة، ونحن نعلم أن هذه الآية الكريمة قد تكررت وجاءت خاتمتها بألفاظ ثلاث هي: فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ وفَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْظَالِمُونَ وفَأُوْلَـئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ فمن تمام جهل الذين يحتجون من هذه الآية باللفظ الأول منها فقط: فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ أنهم لم يُلِمُّوا على الأقل ببعض النُّصوص الشَّرعيَّة – قرآنًا أم سُنَّة – التي جاء فيها ذكر لفظة الكفر، فأخذوها – بغير نظر – على أنها تعني: الخروج من الدين، وأنه لا فرق بين هذا الذي وقع في الكفر، وبين أولئك المشركين من اليهود والنصارى وأصحاب الملل الأخرى، الخارجة عن ملَّة الإسلام، بينما لفظة: «الكفر» في لغة الكتاب والسُّنَّة، لا تعني دائمًا هذا الذي يدندنون حوله، ويسلطون هذا الفهم الخاطئ المغلوط عليه. فشأن لفظة: الكَفِرُونَ من حيث أنها لا تدل على معنى واحد، هو ذاته شأن اللفظين الأخيرين: الظَّالِمُون والفَاسِقُون فكما أنَّ من وُصِفَ بأنه ظالمٌ أو فاسقٌ، لا يلزم بالضَّرورة ارتداده عن دينه، فكذلك من وُصِفَ بأنه كافرٌ سواءً بسواءٍ.

    وهذا التَّنَوُّعُ في معنى اللفظ الواحد، هو الذي تدل عليه اللغة، ثم الشرع الذي جاء بلغة العرب لغة القرآن الكريم، فمن أجل ذلك كان الواجب على كلِّ من يتصدى لإصدار الأحكام على المسلمين – سواءً كانوا حكَّامًا أو محكومين – أن يكون على علم واسع بالكتاب والسُّنَّة، وعلى ضوء منهج السلف الصالح، والكتاب والسنة لا يمكن فهمهما، وكذلك ما تفرع عنهما، إلا بطرق معرفة اللغة العربية, وآدابها معرفةً خاصةً دقيقةً.

    فإن كان لدى طالب العلم نَقْصٌ في معرفة اللغة العربية، فإن مما يساعده في استدراك ذلك النقص الرجوع إلى فهم من قبله من الأئمة والعلماء، وبخاصة أهل القرون الثلاثة المشهود لهم بالخيرية، ولنرجع إلى آية: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ  فما المراد بالكفر فيها: هل هو الخروج عن الملَّة؟ أو أنه غير ذلك؟ فأقول: لابد من الدِّقَّة في فهم هذه الآية؛ فإنها قد تعنى الكفر العملي، وهو الخروج بالأعمال عن بعض أحكام الإسلام.

    ويساعدنا في هذا الفهم حَبْرُ الأمة، وترجمان القرآن عبدالله بن عباس – رضي الله عنه – الذي أجمع المسلمون جميعًا – إلَّا من كان من الفِرَقِ الضَّالَّة على أنَّه إمامٌ فريدٌ في التفسير، فكأنه طرق سمعه يومئذ ما نسمعه اليوم تمامًا، من أن هناك أناسًا يفهمون هذه الآية فهمًا سطحيًّا من غير تفصيل، فقال – رضي الله عنه –: ليس الكفر الذي تذهبون إليه وأنه ليس كفرًا ينقل عن الملَّة وهو كفر دون كفر ولعلَّه يعني بذلك الخوارج الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي – رضي الله عنه –، ثمَّ كان من عواقب ذلك أنهم سفكوا دماء المؤمنين، وفعلوا فيهم ما لم يفعلوا بالمشركين، فقال: ليس الأمر كما قالوا، أو كما ظنُّوا إنَّما هو كفر دون كفر. فهذا الجواب المختصر الواضح من ترجمان القرآن في تفسير هذه الآية، هو الحكم الذي لا يمكن أن يُفْهَم سواه، من النصوص التي أشرت إليها قبل، ثم إنَّ كلمة «الكفر» ذكرت في كثير من النصوص القرآنية والحديثية، ولا يمكن أن تحمل فيها على أنها تساوي الخروج من الملَّة، من ذلك مثلًا الحديث المعروف في «الصحيحين» عن عبدالله بن مسعود – رضي الله عنه –، قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم –: سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ. فالكفر هنا هي المعصية التي هي الخروج عن الطاعة، ولكن الرسول؛ وهو أفصح الناس بيانًا، بالغ في الزَّجر قائلًا: …وَقِتَالُهُ كُفْرٌ.

    ومن ناحية أخرى: هل يمكن لنا أن نحمل الفقرة الأولى في هذا الحديث: سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ. على معنى الفسق المذكور في اللفظ الثالث، ضمن الآيةالسابقة: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ .

    الجواب: أن هذا قد يكون فسقًا مرادفًا للكفر الذي هو بمعنى الخروج عن الملَّة، وقد يكون الفسق مرادفًا للكفر الذي لا يعني الخروج عن الملَّة، وإنَّما يعني ما قاله ترجمان القرآن أنه: كفر دون كفر.

    وهذا الحديث يؤكِّدُ أنَّ الكفر قد يكون بهذا المعنى، وذلك لأن الله ﻷ يقول: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ .

    إذ قد ذكر ربُّنا ﻷ هنا الفرقة الباغية التي تقاتل الفرقة المحقَّة المؤمنة، ومع ذلك فلم يحكم على الباغية بالكفر، مع أن الحديث يقول: …وَقِتَالُهُ كُفْرٌ.

    إذن فقتاله كُفْرٌ دُوْنَ كُفْرٍ، كما قال ابن عباس في تفسير الآية السابقة تمامًا، فقتال المسلم للمسلم بَغْيٌ واعتداءٌ، وفِسْقٌ وَكُفْرٌ، ولكنْ هَذَا يَعْنِي: أنَّ الكُفْرَ قد يكون كُفْرًا عَمَلِيًّا، وقد يكون كُفْرًا اعْتِقَادِيًّا.

    ومن هُنا جاء هذا التفصيل الدقيق، الذي تولى بيانه وشرحه الامام بحقٍّ شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله –، وتولى ذلك من بعده تلميذه البار ابن القيم الجوزية – رحمه الله –، إذ لهما الفضل في التنبيه والدندنه على تقسيم الكفر إلى ذلك التقسيم، الذي رفع رايته ترجمان القرآن بتلك الكلمة الجامعة الموجزة، فابن تيمية يرحمه الله وتلميذه وصاحبه ابن قيم الجوزية: يدندنان دائمًا حول ضرورة التفريق بين الكفر الاعتقادي، والكفر العملي، وإلَّا وقع المسلم من حيث لا يدري في فتنة الخروج على جماعة المسلمين، التي وقع فيها الخوارج، قد يماوض بعض أذنابهم حديثًا.

    وخلاصة القول: أن قوله – صلى الله عليه وسلم –: وَقِتَالُهُ كُفْرٌ. لا يعني مطلقًا الخروج عن المِلَّةِ والأحاديث في هذا كثيرًا جدًّا، فهي جميعًا حجةٌ دامغةٌ على أولئك الذين يقفون عند فهمهم القاصر للآية السابقة، ويلتزمون تفسيرها بالكفر الاعتقادي، فحسبنا الآن هذا الحديث؛ لأنه دليلٌ قاطعٌ على أنَّ قتال المسلم لإخية المسلم هو كفر، بمعنى: الكفر العملي، وليس هو الكفر الاعتقادي.

    فإذا عدنا إلى: «جماعة التكفير» أو من تفرَّع عنهم وإطلاقهم على الحكام وعلى من يعيشون تحت رايتهم، وينتظمون تحت إمرتهم وتوظيفهم الكفر والردَّة، فإن ذلك منهم مبنيٌّ على وجهة نظرتهم الفاسدة، القائمة على أن هؤٰلاء ارتكبوا المعاصي، فكفروا بذلك.

    ومن جملة الأمور التي يفيد ذكرها وحكايتها، أنني التقيت مع بعض أولئك الذين كانوا مع «جماعة التكفير»، ثم هداهم الله عز وجل.

    فقلت لهم: هاأنتم كفَّرتم بعض الحكام فما بالكم، مثلًا تكفرون أئمة المساجد؟ وخطباء المساجد؟ ومؤذني المساجد؟ وخدمة المساجد؟ وما بالكم تكفرون أساتذة العلم الشرعي في المدارس وغيرها؟!

    قالوا: لأن هؤٰلاء رَضُوا بحكم الحكام الذي يحكمون بغير ما أنزل الله، فأقول: إذا كان هذا الرِّضا قلبيًّا بالحكم بغير ما أنزل الله، فحينئذ ينقلب الكفر العملي إلى كفر اعتقادي، فأيُّ حاكم يحكم بغير ما أنزل الله، هو يرى ويعتقدُ أنَّ هذا الحكم هو الحكم اللائق تبنيه في هذا العصر، وأنه لا يليق به تبنيه للحكم الشرعي المنصوص في الكتاب والسُّنَّة، فلا شكَّ أن هذا الحكم يكون كُفْرُهُ كفرًا اعتقاديًّا، وليس كفرًا عمليًّا فقط، ومن رَضِيَ ارتضاءه واعتقاده، فإنه يلحق به؟ ثم قلت لهم: فأنتم أوَّلًا لا تستطيعون أن تحكموا على كلِّ حاكم يحكم بالقوانين الغربية الكافرة أو بكثير منها؛ أنه لو سئل عن الحكم بغير ما أنزل الله لأجاب: بأن الحكم بهذه القوانين هو الحقُّ والصَّالح في هذا العصر، وأنه لا يجوز الحكم بالإسلام؛ لأنهم لو قالوا ذلك: لصاروا كفَّارًا حَقًّا دون شكٍّ ولا ريب، فإذا انتقلنا الى المحكومين وفيهم العلماء والصالحون وغيرهم، فكيف تحكمون عليهم بالكفر بمجرد أنهم يعيشون تحت حكم يشملهم، كما يشملكم أنتم تمامًا؟ ولكنكم تعلنون أن هؤٰلاء كفَّارًا مرتدون، والحكم بما أنزل الله هو الواجب، ثم تقولون معتذرين لأنفسكم أن مخالفة الحكم الشرعي بمجرد العمل، لا يستلزم الحكم على هذا العامل بأنَّه مرتدٌّ عن دينه؟ وهذا نظير ما يقوله غيركم، سوى أنكم تزيدون عليهم بغير حق، الحكم بالتكفير والردَّة.

    ومن جملة المسائل التي توضح خطأهم وتكشف ضلالهم أن يقال لهم: متى يُحْكَمُ على المسلم، الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله وقد يصلي، بأنه ارتدَّ عن دينه، أيكفي مرةً واحدة؟ أم أنه يجب أن يُعْلِنْ أنَّه مرتدٌّ عن الدين؟

    إنهم لن يعرفوا جوابًا، ولن يهتدوا صوابًا، فنضطر إلى أن نضرب لهم المثال التالي!!

    فنقول: قاضي يحكم بالشَّرع هكذا عادته ونظامه، لكنه في حكومةٍ واحدةٍ زلَّت به القدم فحكم بخلاف الشرع، أي: أعطى الحقَّ للظَّالم وحرم المظلوم، فهذا قطعًا حكم بغير ما أنزل الله، فهل تقولون: بأنه كفر كُفْرَ رِدَّةٍ؟

    سيقولون: لا، لأن هذا صدر منه مرةً واحدةً.

    فنقول: إن صدر منه نفس الحكم مرةً ثانيةً، أو حُكم آخر، وخالف الشَّرع أيضًا، فهل يكفر؟ ثم نكرر عليهم ثلاث مرات، أربع مرات…

    متى تقولون أنه كفر؟ لن يستطيعوا وضع حدٍّ بتعداد أحكامه التي خالف فيها الشَّرع، ثم لا يكفرونه بها، في حين يستطيعون عكس ذلك تمامًا، إذا علم منه أنه في الحكم الأول استحسن الحكم بغير ما أنزل الله مستحلًّا له، واستقبح الحكم الشرعي، فساعتئذ يكون الحكم عليه بالرِدَّةِ صحيحًا.

    ومن المرة الأولى، وعلى العكس من ذلك، لو رأينا منه عشرات الحكومات في قضايا متعددةٍ خالف فيها الشَّرع، وإذا سألناه: لماذا حكمت بغير ما أنزل الله ﻷ؟ فرَدَّ قائلًا: خفت وخشيت على نفسي! أو: ارتشيت مثلًا، فهذا أسوأ من الأول بكثير، ومع ذلك فإننا لا نستطيع أن نقول بكفره حتى يُعْرِبْ عمَّا في قلبه: بأنه لا يرى الحكم بما أنزل الله ﻷ، فحينئذ فقط نستطيع أن نقول: إنه كافر كُفْرَ رِدَّةٍ.

    وخلاصة الكلام: لابد من معرفة أنَّ الكفر كالفسق والظلم، ينقسم إلى قسمين:

    • كُفْرٌ وفِسْقٌ وظُلْمٌ يُخْرِجُ من المِلَّةِ، وكلُّ ذلك يعود إلى الاستحلال القلبي.
    • وآخر لا يُخْرِجُ من المِلَّةِ، يعود إلى الاستحلال العملي.

    فكُلُّ المعاصي وبخاصةً ما فَشَا في هذا الزمان، من استحلال عملي للرِّبا، الزِّنا، وشرب الخمر، وغيرها، هي من الكفر العملي، فلا يجوز أن نكفر عموم العصاة المتلبسين بشيءٍ من هذه المعاصي؛ لمجرد ارتكابهم لها واستحلالهم إيَّاها، عمليًّا إلَّا إذا ظهر لنا منهم يقينًا ما يكشف لنا عمَّا في قرار نفوسهم، أنَّهم لا يحرمون ما حرَّم الله ورسوله اعتقادًا، فإذا عرفنا أنهم وقعوا في هذه المخالفة القلبيَّة، حكمنا عليهم حينئذ بأنَّهم كفروا كُفْرَ رِدَّةٍ.

    أمَّا إذا لم نعلم ذلك، فلا سبيل لنا إلى الحكم بكفرهم؛ لأننا نخشى أن نقع تحت وعيد قوله – صلى الله عليه وسلم –: إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِأَخِيْهِ: يَا كَافِرْ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا.

    والأحاديث الواردة في هذا المعنى كثيرةٌ جدًّا، أذكر منها حديثًا ذا دلالةٍ كبيرةٍ، وهو في قصة ذلك الصحابي، الذي قاتل أحد المشركين، فلما رأى هذا المشرك أنه صار تحت ضربةِ سيف المسلم الصحابي، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فما بالا بها الصَّحابي فقتله، فلما بلغ خبره النبي – صلى الله عليه وسلم – أنكر عليه ذلك أشدَّ الإنكار، فاعتذر الصحابي أن المشرك ما قالها إلَّا خوفًا من القتل! لكنَّ جوابه كان: هَلَّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ.

    إذن الكفر الاعتقادي ليس له علاقةٌ أساسية بمجرد العمل، إنَّما علاقته الكبرى بالقلب، ونحن لا نستطيع أن نعلم ما في قلب الفاسق والفاجر والسارق والزاني والمرابي، وما شابههم إلَّا إذا عَبَّر عمَّا في قلبه بلسانه، أمَّا عمله فينبئُ أنه خالف الشَّرع مخالفةً عمليةً، فنحن نقول: أنك خالفت، وأنك فسقت، وأنك فجرت، لكن لا نقول أنك كفرت وارتددت عن دينك، حتى يظهر منه شيئ يكون لنا عذرًا عند الله ﻷ في الحكم بردته، ثم يأتي الحكم المعروف في الإسلام عليه، ألا وهو قوله – صلى الله عليه وسلم –: مَنْ بَدَّلَ دِيْنَهُ فَاقْتُلُوهُ.

    ولقد قلت، وما أزال أقول لهؤلاء الذين يدندنون حول تكفير حكام المسلمين:

    هَبُوا أَنَّ هؤٰلاء الحكام كُفَّارًا كُفْرَ رِدَّةٍ، وَهَبُوا أَيْضًا أنَّ هناك حاكِمًا أعلى على هؤٰلاء، فالواجب والحالَةُ هذه: أن يطبِّقَ هذا الحاكم الأعلى فيهم الحدَّ، ولكن الآن ماذا تستفيدون أنتم من النَّاحية العملية، إذا سلمنا جدلًا، أنَّ هؤٰلاء الحكام كفَّارًا كفر رِدَّةٍ؟ ماذا يمكن أن تصنعوا وتفعلوا؟

    إذا قالوا: ولاءً وبراءً: فنقول: الولاءُ والبراءُ مرتبطان بالموالاةِ والمعاداة، قلبية وعملية، وعلى حسب الاستطاعة، فلا يشترط؛ لوجودهما اعلان التَّكفير، وإشهار الرِدَّةِ بل إن الولاءَ والبراءَ قد يكونان في مبتدع أو عاصي أو ظالم.

    ثم أقول لهؤٰلاء: هاهم هؤٰلاء الكفار قد احتلُّوا من بلاد الإسلام مواقع عدة، ونحن مع الأسف ابتلينا باحتلال اليهود لفلسطين، فما الذي نستطيع نحن وأنتم فعله مع هؤٰلاء؟ حتى تقفوا أنتم وحدكم ضدَّ أولئك الحكام، الذين تظنون وتدَّعون أنهم كفارًا».

فقد تقدم أن تفسير ابن عباس – رضي الله عنه – لقول الله عز وجل: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ . وقد شمل ذلك القسم، وذلك في قوله – رضي الله عنه – ،في الآية: كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ. وقوله أيضًا: ليس بالكفر الذي تذهبون إليه.

وذلك أن تحمله شهوته وهواه على الحكم في القضية بغير ما أنزل الله، مع اعتقاده أن حكم الله ورسوله هو الحق، واعترافه على نفسه بالخطإ ومجانبة الصواب، وهذا وإن لم يخرجه كفره عن الملَّة، فإنه معصيةٌ عُظْمَى أكبر من الكبائر، كالزنى وشرب الخمر والسرقة واليمين الغموس وغيرها؛ فإن معصية سمَّاها اللهُ في كتابه كفرًا أعظم من معصية لم يسمِّها كُفْرًا، نسأل الله أن يجمع المسلمين على التحاكم إلى كتابه، انقيادًا ورضاءً، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

الكاتب:

اشترك ببريدك الإلكتروني لاستلام الإشعارات عند توفر معلومات جديدة.