شبهة استدلالهم بقوله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم)

الشبهات والردود
نوع الخط
  • أصغر شيء صغير متوسط كبير أكبر شيء
  • افتراضي أريال سيجو أميري نوتو نسخ

سردنا سابقا ما ذهب اليه الغلاة في استدلالهم بالآية التي يعتمدون عليها دائما في ترسيخ قناعة التكفير وفي هذا الجزء سنكمل مسيرة مناقشة الغلاة من بقية الآيات التي يعتمدون عليها وسوف أورد هذه الآيات، وأعقب بعد كل آية بوجه استدلالهم، ثم تصويب استدلالهم بتوضيح الوجه الصائب على النحو التالي:

١ – استدلالهم بقوله تعالى: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا .

وجه استدلال الغلاة:

قالوا: تدل الآية على نفي حقيقة الإيمان أي: نفي أصل الإيمان، فدل ذلك على كفر من لم يحكم بما أنزل الرحمن، فقد أقسم بأعظم مقسَم به وأكد القسم بتكرار أداة النفي مرتين على نفي الإيمان والإسلام عمن لم يحكّم شرع الله، وعليه يكون الحاكم بغير ما أنزل الله بمجرد الحكم كافرًا كفرًا أكبر يخرج من الملة، لأن الإيمان قد نفي عنه أصلا .

تصويب وجه الاستدلال وردّ ما فهموا:

أن الله تعالى لم ينفِ أصل الإيمان ولا حقيقته بل نفى كمال الإيمان مع بقاء أصله وحقيقته.

ومعنى «نفي كمال الإيمان» أي: لا يبلغ الواقع في هذه المعصية نهاية الإيمان وحقيقته ولا يطعم حلاوته .

ويدل على أن الله عز وجل نفى كمال الإيمان لا أصله الذي يقضي بالضرورة الكفر، ما يأتي من أدلة:

الدليل الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نفى كمال الإيمان  عن مرتكبي بعض المعاصي مثل: «الزنا والسرقة وشرب الخمر»؛ فقال في الحديث الشريف: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن .

فلو كان النفي لأصل الإيمان وحقيقته فإنه يحكم بالضرورة بالكفر على الزاني والسارق وشارب الخمر وهذا يترتب عليه ما يأتي:

  • أ – مجرد الوقوع في هذه المعاصي هو وقوع في الكفر.
  • ب – الحكم بكفر مقترفي هذه المعاصي “الزاني والسارق وشارب الخمر” بعد الوقوع في أي منها.
  • ج – أن الحكم على الزاني والسارق وشارب الخمر بالكفر حكم عليه بالردة فيقام عليه حد الردة وهو القتل، وعليه فلا معنى للحدود المخصوصة بهذه الكبائر التي حدها الله عز وجل من جلد أو رجم أو قطع.

وعليه فيكون الحد في هذه المعاصي هو القتل لتبديل الدين بمجرد الوقوع فيها لقوله - صلى الله عليه وسلم -: من بدّل دينه فاقتلوه .

ونفي أصل الإيمان وما يترتب عليه من الكفر بمجرد الوقوع في هذه المعاصي، والحكم بالقتل حدًا للردة المتحصلة من تبديل الدين بالوقوع في هذه المعاصي لم يقل به أحد من أهل السنة والجماعة، وفساد هذا القول من دين الإسلام بيّن وواضح؛ إذ إن في نصوص الكتاب والسنة وكذا الإجماع ما يدل على أن الزاني والسارق والقاذف لا يقتل، بل يقام عليه الحدّ المخصوص بكل كبيرة منها، فدلّ ذلك على أنه ليس بمرتدٍّ ولا يقام عليه حد الردة .

وقد نقل عن أكابر العلماء أنهم ردوا بهذا الرد:

فهذا هو أبو عبيد ينافح عن الحق ويرد على القائلين بكفر مرتكب المعصية فيقول: قد وجدنا الله - تبارك وتعالى - يكذّب مقالتهم، وذلك أنه حكم في السارق بقطع اليد، وفي الزاني والقاذف بالجلد، ولو كان الذنب يكفر صاحبه، ما كان الحكم على هؤلاء إلا القتل؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: من بدّل دينه فاقتلوه. أفلا ترى أنهم لو كانوا كفّارًا لما كانت عقوباتهم القطع والجلد؟ وكذلك قول الله فيمن قتل مظلومًا: فقد جعلنا لوليه سلطانًا ، فلو كان القتل كفرًا ما كان للولي عفو، ولا أخذ دية، ولزمه القتل .

وهذا ابن تيمية يقول: شارب الخمر والزاني والقاذف والسارق لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - يجعلهم مرتدين يجب قتلهم، بل القرآن والنقل المتواتر يبين أن لهم عقوبات غير عقوبة المرتد عن الإسلام؛ كما ذكر الله في القرآن جلد القاذف والزاني، وقطع يد السارق، وهذا متواتر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولو كانوا مرتدين لقتلهم، فكلا القولين مما يعلم فساده بالاضطرار من دين الرسول - صلى الله عليه وسلم.

قلت: فإذا كانت المعاصي لا تزيل إيمانًا ولا توجب كفرًا مخرجًا من الملة فالمراد بنفي الإيمان الوارد في هذه الأحاديث هو نفي كمال الإيمان الواجب لا أصل الإيمان، يدلك على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: إذا زنى العبد خرج منه الإيمان، وكان كالظلة، فإذا انقلع منه رجع إليه الإيمان .

وعلماء التفسير لهم ما يدل على أن النفي في الآية يدل على نفي الكمال لا نفي أصل الإيمان كما ذهب إليه الغلاة:

فمنهم من أوضح ذلك عند تفسيره لـ﴿حَتَى﴾ في الآية فقال: و«حتى» هنا غاية أي: ينتفي عنهم الإيمان إلى هذه الغاية، فإذا وجد ما بعد الغاية كانوا مؤمنين، أي كاملي الإيمان .

فهذا التفسير يدل على أن ما بعد الغاية ويراد به تحكيم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما في الآية يكتمل به الإيمان ويتم، لأن الإيمان إنما تناقص ولم يكتمل بسبب هذا الفعل، وعند زوال هذا الفعل الذي يجعل الإيمان متناقصًا يعود الاكتمال إلى الإيمان، ونجد في الحديث إذا زنى العبد خرج منه الإيمان، وكان كالظلة، فإذا انقلع منه رجع إليه الإيمان ما يؤكد ذلك .

ومن المفسرين من أوضح أنه لا يمكن أن نجعل عدم التحكيم كالتسليم بالقلب الذي هو الإيمان، فتحكيم الرسول - صلى الله عليه وسلم - شيء والتسليم بالقلب وهو الإيمان شيء آخر، فالإيمان اسم واقع على الأعمال في كل ما في الشريعة جملة ، وهذا فيه إشارة أيضًا إلى أن عدم التحكيم لا يقدح في الإيمان به - صلى الله عليه وسلم.

فالصحيح في الآية كما تقدم أن عدم التحكيم معصية أو كبيرة تخالف الإيمان ومقتضياته، فإن من مقتضى الإيمان الاحتكام إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم ولا تدل الآية بحال على نفي أصل الإيمان بارتكاب هذه الكبيرة، فالأمر لا يعدو تحذيرًا من مخالفة أمره - صلى الله عليه وسلم .

الدليل الثاني: أن الإيمان اسم على ما وقر في القلب، فلو نفي في بعض النصوص فإنما ينتفي كماله لا أصله.

قال ابن تيمية:

«والمقصود هنا -أي في الآية- أن كل ما نفاه الله ورسوله من مسمى أسماء الأمور الواجبة كاسم الإيمان والإسلام والدين والصلاة والصيام والطهارة والحج وغير ذلك فإنما يكون لترك واجبٍ من ذلك المسمى، ومن هذا قوله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا فلما نفى الإيمان حتى توجد هذه الغاية دل على أن هذه الغاية فرض على الناس، فمن تركها كان من أهل الوعيد.»

ثم قال: «فمن لم يلتزم تحكيم الله ورسوله فيما شجر بينهم فقد أقسم الله بنفسه أنه لا يؤمن، وأما من كان ملتزمًا لحكم الله ورسوله باطنًا وظاهرًا، لكن عصى واتبع هواه، فهذا بمنزلة أمثاله من العصاة. وهذه الآية فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ… مما يحتج بها الخوارج على تكفير ولاة الأمر الذين لا يحكمون بما أنزل الله، ثم يزعمون أن اعتقادهم هو حكم الله. وقد تكلم الناس بما يطول ذكره هنا، وما ذكرته يدل عليه سياق الآية» .

وقال الحافظ في «الفتح» ناقلا قول ابن التين: «قوله: لا يُؤْمِنُونَ لا يستكملون الإيمان» .

الدليل الثالث: أن شُراح الأحاديث اتفقوا على أن المراد من الأحاديث التي في أول طرفها:لا يؤمن أحدكم… أن ما يأتي بعدها يكون من خصال الإيمان التي بها يُستكمل الإيمان ويتم، وليس فيها دليل على نفي أصله.

وذلك كحديث: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فهو عند البخاري ومسلم في كتاب الإيمان.

فأما الحديث عند البخاري ففي باب: «من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، وفي شرحه يقول بدر الدين العيني: لا يؤمن أحدكم… المعنى: لا يؤمن الإيمان الكامل، لأن أصل الإيمان لا يزول بزوال ذلك .

أما الحديث عند مسلم ففي باب «الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير»، وفي شرحه يقول النووي: قال العلماء رحمهم الله معناه - أي: معنى قوله لا يؤمن أحدكم: لا يؤمن الإيمان التام، وإلا فأصل الإيمان يحصل لمن لم يكن بهذه الصفة .

ومثله حديث: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده…، معناه: أي إيمانًا كاملا، قاله العيني في شرحه .

قال المناوي شارحًا هذا الحديث: لا يؤمن أحدكم… أي: إيمانًا كاملا، ونفي اسم الشيء بمعنى الكمال عنه مستفيض في كلامهم، وخصوا بالخطاب - أي الصحابة في قوله: أحدكم- لأنهم الموجودون إذ ذاك، والحكم عام حتى أكون أحب إليه غاية لنفي كمال الإيمان، ومن كمل إيمانه علم أن حقيقة الإيمان لا تتم إلا بترجيح حبه على حب كل من ولده ووالده أي: أصله وفرعه وإن علا أو نزل .

وأعطانا المناوي فائدة وهي أن نفي اسم الإيمان يراد به نفي كماله لا أصله وهذا مستفيض عند أهل العلم الأثبات، وهذا معنى قوله: ونفي اسم الشيء بمعنى الكمال عنه مستفيض في كلامهم.

وبمثل هذا المعنى أيضًا حديث لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به، قال الحافظ بن رجب: إن الإنسان لا يكون مؤمنًا كامل الإيمان الواجب حتى تكون محبته تابعةً لما جاء به الرسول. وقد ورد القرآن بمثل هذا… قال تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ.

الدليل الرابع: أن سبب نزول الآية يؤكد على عدم تكفير المسلم الذي ترك حكم الرسول صلى الله عليه وسلم وهو واجب الاتباع، مع إيمانه به صلى الله عليه وسلم.

فقد ورد في سبب نزول الآية ما رواه البخاري عن عبد الله بن الزبير أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير عند النبي - صلى الله عليه وسلم - في شراج الحرة التي يسقون بها النخل، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر، فأبى عليه فاختصما عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للزبير: اسقِ يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك، فغضب الأنصاري فقال: أن كان ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر فقال الزبير، والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك.

ووجه الدلالة في الحديث واضحة وهي: أنه لا يوجد في الحديث إشارة إلى تكفير هذا الأنصاري الذي وجد في نفسه حرجًا من قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتردد في قبول حكمه.

ويدل الحديث أيضًا على أمور، ويأتي منها الرد على الغلاة:

الأمر الأول: أن قوله: رجلا من الأنصار نسبة إلى الأنصار، ونحن نعلم مكانهم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بل إنه وقع في رواية «شعيب» وهي أحد روايات الحديث زيادة قول الراوي: قد شهد بدرًا .

وهذه الرواية بهذه الزيادة وقعت عند البخاري في موضع آخر في كتاب الصلح، باب: «إذا أشار الإمام بالصلح فأبى حكم عليه بالحكم البين» .

فإن الرجل فيه أمران يجب أن نعتبرهما في فهمنا للحديث وهما: «أنه أنصاري وبدري» فذلك يدل على عدم تكفيره لسبب مشهور ومتداول في بطون كتب السيرة والحديث، وهو: أن البدريين مغفور لهم وإن شئت فارجع إلى حديث سيدنا علي بن أبي طالب في حاطب بن أبي بلتعة ففيه: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال لعمر لما نعت حاطبًا بالمنافق وأراد أن يضرب عنقه: وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم .

إذن الرجل الذي نزلت فيه الآية أصلا لا يمكن تكفيره مع ظهور الحرج منه وتردده في قبول حكم الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وادعائه أن القرابة بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبين الزبير كان لها الأثر في التحكيم للزبير، ومع كل هذا لم يحكم عليه رسولنا - صلى الله عليه وسلم - بالكفر، ولم يطالبه بالشهادتين. بل الأكثر من ذلك أن الرواة لم يذكروا اسمه واكتفوا بقولهم: رجل من الأنصار وفي رواية: شهد بدرًا كما تقدم؛ سترًا له ولما وقع منه .

وقد وقع في شروح الحديث اعتراض على كون الرجل من الأنصار أو أنه ممن شهد بدرًا، وربما يرد بها الغلاة على ما ذكرنا:

فقد حكى الداودي أن هذا الرجل الذي خاصم الزبير كان منافقًا، وقوله في الحديث: إنه أنصاري لا يخالف هذا لأنه كان من قبيلتهم لا من الأنصار المسلمين .

ويرد هذا الاعتراض ما يأتي:

  • ١ – أن ما حكي عن الداودي ضعيف ويعكره كما قال العيني: أنه ورد في الرواية الأخرى عند البخاري أنه شهد بدرًا، وهو يدل على أنه من الأنصار المسلمين.
  • ٢ – أنه وقع في رواية الحديث عند الترمذي : فغضب الأنصاري فقال: يا رسول الله ولم يكن غير المسلمين يخاطبونه - صلى الله عليه وسلم - بقولهم: يا رسول الله، وإنما كانوا يقولون: يا محمد .
  • ٣ – أن النفاق ينتفي عن أهل بدر ، ويدل عليه أن سيدنا عمر نعت حاطب بن أبي بلتعة بالنفاق وقال: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمر: إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله… الحديث.
  • ٤ – أن وصف النصرة في حد ذاته مدح، إذن فقد وُصف الرجل بما يمدح، وهو ما لا يتفق مع كونه منافقًا، فإنه لم تجرِ عادة السلف بوصف المنافقين بصفة النصرة التي هي المدح ولو شاركهم في النسب ، وهذا رد على قول الداودي: وقوله في الحديث: إنه أنصاري لا يخالف هذا لأنه كان من قبيلتهم لا من الأنصار المسلمين.
  • ٥ – قال الحافظ ابن حجر: إنه لا ملازمة بين صدور هذه القضية منه وبين النفاق ، بمعنى أن ما صدر عنه لا يستلزم نفاقه، حتى يقال إنه كان منافقًا، أو هو من الأنصار نسبًا لا دينًا، فكل ما صدر منه كان بادرة نفس، وزلة من الشيطان تمكن به منها عند الغضب، وليس ذلك بمستنكر من غير المعصوم في تلك الحالة، كما وقع لغيره ممن صحت توبته، وهذا انتصر له وقواه التوربشتي شارح المصابيح، ووهى ما عداه، وشدد فقال: قد اجترأ جمع بنسبة هذا الرجل إلى النفاق وهو باطل .
  • ٦ – لا يجتمع الوصف بالنفاق مع وصفه بالنصرة وشهوده بدرًا كما تقدم، فيكون معنى الآية التي نزلت بسببه فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ أي: لا يستكملون الإيمان، قاله ابن التين ، وهذا المعنى لا يكون في المنافق الذي لا إيمان له أصلا لأنه يبطن الكفر ويظهر الإيمان.

وقد حاول الداودي الإجابة عن هذه الردود بعد جزمه بنفاقه فقال: وقيل: كان بدريًا فإن صح: فقد وقع ذلك منه قبل شهودها لانتفاء النفاق عمن شهدها. إلا أن ما قاله فيه نظر فقد تقدم: أنه لا ملازمة بين صدور هذه القضية منه وبين النفاق ، والله تعالى أعلى وأعلم.

الأمر الثاني: أن الحديث يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكفر الأنصاري، فلم يرد في الحديث لا من قريب أو بعيد، أنه - صلى الله عليه وسلم - نهره أو أنه كفّره أو أنه طالبه بالإسلام؛ لأن أصل القضية هي الحكم بين متخاصمين في أمر من الأمور، وتعليم الرسول صلى الله عليه وسلم للقاضي كيفية التصرف الأمثل في مثل هذه الواقعة وأشباهها، لذا فقد أورد البخاري الحديث في كتاب الصلح وترجمه بقوله: «باب إذا أشار الإمام بالصلح فأبى حكم عليه بالحكم البين»، وقد مرت الإشارة إلى ذلك.

ويلخص القرطبي سلوك القاضي فيقول: سلك النبي - صلى الله عليه وسلم - مع الزبير وخصمه مسلك الصلح، فقال: اسقِ يا زبير لقربه من الماء، ثم أرسلِ الماء إلى جارك أي: تساهل في حقك ولا تستوفه، وعجّل في إرسال الماء إلى جارك، فحضّه على المسامحة والتيسير .

ثم إذا لم يرضَ أحدهما بالصلح كما صدر من الأنصاري فللقاضي أن يستوعي -أي: يستوفي- لكل واحد من المتخاصمين حقه إذا لم يَرَ قبولا منهما للصلح، ولا رضى بما أشار به، كما فعل - صلى الله عليه وسلم .

الأمر الثالث: أن الحديث يدل أيضًا على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تلون وجهه لما صدر من الرجل، ما صدر بادعائه أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - حكم للزبير عليه لأجل أن الزبير من قرابته - صلى الله عليه وسلم - فتلون وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم… وهذا إشارة إلى غضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحكم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بما حكم من قوله للزبير: اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر.

ففي هذا ما يدل على أن الرجل لم يسلم بحكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلم يعزره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنما سامحه، فترك تعزيره وهذا فيه دلالتان: الأولى: عدم كفر الرجل وقد نزلت بسببه الآية، والثانية: أنه أغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومع ذلك لم يعزره .

وقيل -وهو رأي وجيه-: إن النبي - صلى الله عليه وسلم عزره بما يناسب المقام بعد أن كان حكمه الأول فيه حضًّا للزبير على المسامحة والتيسير على الرجل الأنصاري والسعة عليه، فلما صدر منه ما أغضب الرسول - صلى الله عليه وسلم - عاقبه بأنه أوفى للزبير حقه بدون مسامحة للأنصاري.

قال ابن عبد البر: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان قد أشار على الزبير بما فيه السعة للأنصاري، فلما كان منه ما كان من الجفاء استوعب للزبير حقه في صريح الحكم .

وهذه السعة فسرها القرطبي بقوله: أنه - صلى الله عليه وسلم - سلك مع الزبير وخصمه مسلك الصلح فقال: اسق يا زبير لقربه من الماء، ثم أرسل الماء إلى جارك أي: تساهل في حقك ولا تستوفه وعجل في إرسال الماء إلى جارك، فحضه على المسامحة والتيسير، فلما سمع الأنصاري هذا لم يرضَ بذلك، وغضب لأنه كان يريد ألا يمسك الماء أصلا، وعند ذلك نطق بالكلمة الجائرة المهلكة الفاقرة، فقال: أنْ كان ابن عمتك فعند ذلك تلون وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - غضبًا عليه، وحكم للزبير باستيفاء حقه من غير مسامحة له .

وسمى بعض الشراح ما عذره النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن أغضبه: عقوبة في ماله، وكانت العقوبة إذ ذاك يقع بعضها في الأموال .

فعلى اعتبار أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عذره أو لم يعذره فإن ما صدر منه ليس فيه دليل على كفره؛ وهو ما يؤكد أن هذه الآية التي نزلت بسببه لها مفهوم غير ما فهمه الغلاة، وهو أنها لا تنفي أصل الإيمان ولا حقيقته، وإنما تنفي كماله فقط مع بقاء الأصل.

الأمر الرابع: أن ما وقع من الصحابي الذي نزلت بسببه الآية شبيه بما وقع في بعض الوقائع الأخرى من الصحابة أيضًا، ولم يقم دليل نبوي خلال هذه الوقائع على التكفير، فمن هذه الوقائع ما يلي:

١ – روى الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري قال: بعث علي بن أبي طالب وهو باليمن إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهيبة فقسمها بين أربعة، فقال رجل: يا رسول الله، اتقِ الله فقال: ويلك، ألست أحق أهل الأرض أن يتقي الله ثم ولى الرجل، فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا، لعلَّه أن يكون يصلي، قال خالد: وكم من مصلٍ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم الحديث .

وجه الدلالة: أن هذا الرجل اعترض على حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يرض به ويسلِّم، ووجد في نفسه حَرَجًا ولم يكفِّره الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وامتنع عن قتله خشية أن يكون مصليًا ولو كان واقعًا في أمرٍ كفريٍّ لم تنفعه صلاته؛ لأن الشرك والكفر الأكبرين يحبطان الأعمال، فلا تنفع الصلاة معهما.

وأيضًا مما يدل على أن الرجل لم يقع في أمر كفري عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن خالدًا أراد أن يحيله على أمر كفري خفي في القلب فلم يرتضِ هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولو كان قوله كفرًا لتمسك به خالد بن الوليد ولما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس؛ لأن هذا القول –المدعى أنه مكفر– قد ظهر منه. ومما يوضح أن هذه الكلمة ليست كفرًا أنه ثبت في الصحيحين عن عائشة أن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - جئنه يناشدنه العدل في بنت أبي قحافة، ولم يكن هذا منهن كفرًا.

٢ – ما رواه الشيخان عن أنس بن مالك أن ناسًا من الأنصار قالوا يوم حنين حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء، فطفق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعطي رجالا من قريش المائة من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله؛ يعطي قريشًا وسيوفنا تقطر من دمائهم. وفي رواية: لما فُتحت مكة قسم الغنائم في قريش، فقالت الأنصار: إن هذا لهو العجب، إن سيوفنا تقطر من دمائهم….

وجه الدلالة: أن هؤلاء استنكروا فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووجدوا في أنفسهم حرجًا، ولم يكفِّرهم الرسول - صلى الله عليه وسلم.

الدليل الخامس: أن الآية فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا وقع فيها ثُمَّ التي تصرف الآية عن ظاهرها، فلو سلمنا للغلاة وقلنا لهم: الآية على ظاهرها وفيها نفي لأصل الإيمان، إلا أن هناك ثُمَّ وهي قرينة تصرف هذا الأصل عن ظاهره في هذه الآية، وهذه القرينة هي: الترابط الوثيق بين الجملة بعد ثُمَّ وجملة يُحَكِّمُوكَ. فضلا عن الترابط الوثيق بين الآية وسبب نزولها، ونريد به الحديث الوارد في سبب نزول الآية وقد سبق تفصيله، وانتهينا إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكفر الرجل الذي خاصم الزبير ولو كان كافرًا لبيّن الرسول صلى الله عليه وسلم - ذلك، لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وأيضًا لم يعزره الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع جواز أن يكون عزره عندما أوعب للزبير حقه عند من يرى ذلك من العلماء، كما تقدم.

ولكن القضية ليست في سبب ورود الآية، وإنما في أن الغلاة يكفرون أخذًا بأول الآية ولكن لا ينظرون إلى تمامها المرتبط بأولها، فهو خلل منهجي في إدراك واستيعاب النصوص وما ترمي إليه. فإن ما بعد ثُمَّ معطوف على جملة يُحَكِّمُوكَ . معناه: الدلالة على أن قبول حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - في كل حكم يتحصل بالظاهر ويكون بالتسليم، ويتحصل بالباطن ويكون بزوال الحرج من النفس أو القلب.

قال الإمام الرازي في تفسيره: قوله ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مّمَّا قَضَيْتَ المراد به الانقياد في الباطن، وقوله: وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيمًا المراد منه الانقياد في الظاهر .

وقال المفسرون في ثُمَّ وما بعدها: أي: ثم ينقادوا لحكمك انقيادًا لا شبهة فيه بظاهرهم وباطنهم .

فالآية فيها ترابط لم يلحظه الغلاة يدل عليه أن الجملة بعد ثُمَّ معطوف على جملة يُحَكِّمُوكَ؛ وهو ما يفيد أن نفي أصل الإيمان يكون بنفي أصل الانقياد ظاهرًا وباطنًا في كل أحكام الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وليس بعضها، فإن انقاد لبعضها وترك بعضها فهو لم يستكمل الإيمان.

ولا سبيل لنا للحكم على الحكام أنهم لا ينقادون أصلا باطنًا لأحكام الرسول جملة وتفصيلا؛ لأن ظاهرهم ترك الانقياد لبعض الأحكام فيجب التأكد من انتفاء أصل الانقياد باطنًا، فضلا عن التأكد من انتفاء أصل الانقياد ظاهرًا الذي أيضًا لا سبيل له لوقوع انقياد الحكام المسلمين ظاهرًا ببعض الأحكام النبوية، فترك البعض لا يعول عليه في الحكم بنفي الإيمان وعليه امتنع الحكم بعدم الإيمان أو الحكم بالكفر، فبقي أن نحكم بانتفاء اكتمال الإيمان ونقصانه كما ذهب إليه المفسرون للآية، ومعهم المحدثون من شراح الأحاديث والآثار.

تتمة في ظاهر هذه الآية وضبطه:

تبادرت إلى ذهني إشارة تضاف إلى ما سبق وهي: أن الآية لها سبب نزول ورد في الحديث، وصاحب الواقعة كان موجودًا وهو الرجل الأنصاري الذي خاصم الزبير؛ فقد كان حيًا يرزق وقت نزول الآية، فلِمَ لَمْ يحكم عليه نبينا - صلى الله عليه وسلم - بظاهر ما نزل من الوحي؟

فإن الذي حدث أن نبينا عليه الصلاة والسلام لم يكفره، ولم يسلب الإيمان عنه، ولم يعزره، مع أنه كام سببا في نزول الوحي بهذه الآية.

ألم تفطن معي أن الآية مغايرة في أحداثها للآية السابقة وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ التي كانت تتحدث عن أمة قد خلت، وأقام لها الغلاة الدنيا وعكروها إذا قيل لهم: إنها خاصة بهم، وتراهم يقولون: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب..

فما قولهم في هذه الآية والسبب حاضر –الرجل الذي من أجله نزلت الآية- مع المشرع صلوات الله وسلامه عليه، ويحضر معه كذلك جموع المسلمين من صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم - الذين خوطبوا معه بصيغة الجمع لا يُؤْمِنُونَ تحذيرًا من مخالفة أمره - صلى الله عليه وسلم.

فإن هذه الأمور تثبت أن الآية لم تنفِ أصل الإيمان وإنما نفت كمال الإيمان مع وجود أصله، فإنه لو انتفى أصل الإيمان لترتب عليه أمران لم يلحظهما الغلاة:

١ – الحكم بردة الرجل لوقوعه في الكفر:

ولم يثبت هذا أصلا، فلو كان كافرًا لما تأخر النبي صلى الله عليه وسلم - في الحكم عليه، وإعلامه بردته أو كفره، فهو الحريص على إيمان الناس بنص القرآن الكريم، ألم يقل ربنا تبارك وتعالى: حَرِيصٌ عَلَيْكُم، فكيف يؤخر إعلام المرتد بردته حتى يرجع سريعًا إلى الإسلام؟

٢ – مطالبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - للرجل بالعودة للإسلام:

وهذا أيضًا لم يثبت ولم يرد في قصة الرجل لعدم ثبوت أصل ذلك، وهو الحكم بالردة. فحال الرجل في الآية لا يمكن أن يكون نفيٌّ لأصل إيمانه، لانعدام هذين الأمرين الذي يمكن حصولهما بمجرد نزول الآية بسبب ما فعل، بحكمٍ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإنما كان النفي لكمال إيمانه، وهو ما حكم به النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه، بدليل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكفره بسلب أصل الإيمان عنه، ولم يطالبه بالعودة للإسلام، ولم يعزره، فما اقترفه الرجل يعود على إيمانه بالنقصان والضعف، لا زوال الإيمان أصلا.

ومن الإشارات أيضًا التي لا نغض الطرف عنها: أن إعمال الغلاة للآية على ظاهرها فيه مخالفة للرسول - صلى الله عليه وسلم - ولحكمه على الرجل أنه لا يزال مؤمنا، وأن نفيهم لأصل الإيمان اعتمادًا على الآية لا دليل عليه من تطبيق النبي صلى الله عليه وسلم - ولسلوكه في التعامل مع الرجل بعد نزول الآية فلم يحكم عليه - صلى الله عليه وسلم - بالكفر ولم يطالبه بالإسلام، فما ذهب إليه الغلاة مضاد لحكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفي حينها إذا كانوا كذلك فنقول لهم بحسب منطقهم وفهمهم: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا، فقد أدخلوا أنفسهم في ظاهر الآية.. فتأمل.

فما فهمه الغلاة من حمل الآية على ظاهرها لم يثبت في الحقبة النبوية، ولم يثبت في مناهج العلماء الأثبات من أهل السنة والجماعة، ولا مكان له في كتبهم، وإنما يثبت فقط عند التسليم جدلا بنفي أصل الإيمان عملا بظاهر الآية.

فلو ثبت فهمهم من هذه الزاوية –التسليم جدلا فقط- فإنه لا سبيل إلى ذلك نظرًا لكل الأدلة المتقدمة، التي أقواها على الإطلاق عدم عمل النبي - صلى الله عليه وسلم - بظاهر الآية.

إلا أنني رأيت من العلماء من حمل الآية على ظاهرها -وربما استدل بكلامه الغلاة  - ولكن بضبط بديع أخرجه عن اعتقاد الخوارج والمبتدعة والغلاة والتكفيريين، حيث إنه جعل ظاهر الآية مرادًا به جملة ومجموع أحكام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمن جحدها جملة وتفصيلا من أصلها لا شك أنه ينتفي أصل إيمانه، ورأيت في ذلك ضبطا لظاهر الآية حيطةً وحذرًا من التعميم الجارف، وهو الأمر الذي تبناه الغلاة وتفاداه من قبلهم هؤلاء العلماء.

فإن ابن القيم يقول: ,قوله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا أقسم سبحانه بنفسه المقدسة قسما مؤكدا بالنفي قبله على عدم إيمان الخلق حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الأصول والفروع وأحكام الشرع وأحكام المعاد وسائر الصفات وغيرها، ولم يثبت لهم الإيمان بمجرد هذا التحكيم حتى ينتفي عنهم الحرج وهو ضيق الصدر وتنشرح صدورهم لحكمه كل الانشراح، وتنفسح له كل الانفساح وتقبله كل القبول، ولم يثبت لهم الإيمان بذلك أيضا حتى ينضاف إليه مقابلة حكمه بالرضى والتسليم وعدم المنازعة وانتفاء المعارضة والاعتراض .

وعبارة ابن القيم تدل على أن عدم إيمان الخلق أجمعين حكامًا ومحكومين مرتبط بشروط أولها: أن يحكموا بكل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم - فيما شجر بينهم في الأصول والفروع وأحكام الشرع وأحكام المعاد وسائر الصفات وغيرها، وثانيها: ويرضوا بها في أنفسهم، وثالثها: ويسلموا تسليمًا، وفي هذا من الفوائد ما يأتي:

  • ١ – أن عدم إيمان الخلق متوقف على عدم تحكيم جملة أحكامه صلى الله عليه وسلم‏.
  • ٢ – أن أصل الإيمان يبقى ببقاء هذه الأحكام جملة.
  • ٣ – ليس في كلامه ما يدل على أن الذي يأخذ ببعض الأحكام ينتفي أصل إيمانه، وإنما فيه إشارة إلى أن الإيمان يوجد أصله بهذه الأحكام ويستكمل بها، ويتناقص بترك واحدة منها، أما إذا ترك المسلم جملتها سخطًا من نفسه غير راضٍ بها، ولم يسلم تسليمًا لها جملة وتفصيلا معارضة منه واعتراضًا فهو بذلك لم تتحقق فيه شرائط الإيمان ويدل على عدم الإيمان وانتفائه.

ومن هنا يَحذر الشيخ ابن القيم من التعميم الجارف على عامة المسلمين؛ فكلامه أتي إحصاء للشروط التي يستكمل بها الإيمان، فهو القائل في موضع آخر عن الآية: قد أقسم سبحانه بنفسه المقدسة أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم، ولا يكفي ذلك في حصول الإيمان حتى يزول الحرج من نفوسهم بما حكم به في ذلك أيضا حتى يحصل منهم الرضا والتسليم .

فانظر إلى تعبيره عن استكمال الإيمان بقوله: ولا يكفي ذلك في حصول الإيمان فكلامه رحمه الله لا يخرج عما قاله أهل العلم في الآية ردًا على الخوارج والمبتدعين، إلا أنه يحتاج إلى مزيد تأمل.

وكان الإمام ابن تيمية أوضح من تلميذه ابن القيم في حذره عندما قال: من لم يلتزم تحكيم الله ورسوله فيما شجر بينهم فقد أقسم الله بنفسه أنه لا يؤمن، وأما من كان ملتزمًا لحكم الله ورسوله باطنًا وظاهرًا، لكن عصى واتبع هواه، فهذا بمنزلة أمثاله من العصاة .

ولا يشك مسلم في أن الحكام المسلمين اليوم حصل لهم الرضا والتسليم باطنا وظاهرًا بكل ما في الشرع، بدليل تطبيق الأحكام النبوية عند عرض الجديد والحديث مما شجر بين المسلمين على القنوات الشرعية والمفتين، حتى يعلم المسلمين أجمعين الحكم النبوي والشرعي. وفي سماح الحكام في وجود هذه القنوات الشرعية من: دور الإفتاء، وساحات الأقضية الشرعية في حد ذاته استدعاء لأحكام النبي - صلى الله عليه وسلم - وتسليما لها ورضًا بها، ونحن في عصور تذخر كل يوم بجديد وحديث ولم نسمع عن غلق الحكام المسلمين أبواب الاجتهاد والإفتاء.

يا ليت الغلاة أن ينظروا نظرًا عميقًا في الأدلة والنصوص ووجه الاستدلال، وألا ينظروا نظرا قاصرًا على أول الدليل، وتفسيره على ظاهره من غير الرجوع للسنة وآثار سلف الأمة؛ فإن هذه طريقة الخوارج، هدانا الله أجمعين إلى الصواب.

د. عثمان بن عبدالرحيم القميحي

اشترك ببريدك الإلكتروني لاستلام الإشعارات عند توفر معلومات جديدة.