الإرهاب الدولي في محاولات تعريفه

الإرهاب الدولي
نوع الخط
  • أصغر شيء صغير متوسط كبير أكبر شيء
  • افتراضي أريال سيجو أميري نوتو نسخ

شغلت مسألة تعريف الإرهاب الدولي حيِّزًا كبيرًا من الأدبيلت السيلسية من جهة ومن النشاطات الدبلوماسية من جهة ثانية ومن المحاولات القانونية من جهة ثالثة.

أولاً: في التحديات التي تواجه التعريف

شغلت مسألة تعريف الإرهاب الدولي حيِّزًا كبيرًا من الأدبيلت السيلسية من جهة ومن النشاطات الدبلوماسية من جهة ثانية ومن المحاولات القانونية من جهة ثالثة.

والواقع أن مسألة تعريف الإرهاب الدولي كانت ولا تزال تصطدم بعدد من التحديات والتناقضات. ودارسو هذه المسألة مضطرون إلى النظر إلى بعض الضرورات الأساسية:

  • أ ضرورة التمييز بين الإرهاب الداخلي – كعمل جرمي – الذي يقع ضمن إقليم الدولة ويخضع لقوانينها الجزائية وبين الإرهاب الدولي الذي يتجاوز تلك الحدود ويخضع، بالتالي، إلى أحكام القانون الدولي. ومع أن مضمون العمل قد يكون واحدًا في الحالين بقدر ما يتضمَّن عنفًا بحق المدنيين لتحقيق غرض معيَّن، ولكن موضوعنا يتعلَّق، هنا، بالإرهاب الدولي الذي يتميَّز عن الإرهاب الداخلي، وظيفيًا على الأقل، بعدد من العوامل منها: أنه يتعدَّى حدود الدولة وصلاحيتها الجزائية إلى دول أو مجتمعات أخرى خارجها[1]. والإرهاب الدولي لا يقتصر على إرهاب الأفراد فحسب وحتى الجماعات التي يمكن أن تتورَّط في إرهاب داخلي وإنما يُعتبَر جريمة دولية بحق المجتمع الإنساني كله. فضلاً عن ذلك فإن الدولة ذاتها يمكن أن تتورَّط بعمل إرهابي مباشر أو غير مباشر في ما يقال له عادةً إرهاب الدولة بحق دول أخرى أو مجتمعات أخرى. وعلى هذا الأساس يشكِّل الإرهاب الدولي تهديدًا للسلام والأمن الدوليين ولا يقتصر على مخالفة نظام سياسي أو قانوني معيَّن. وهو يتخد أعمالاً ونشاطات دولية متعدِّدة بدءًا بالقرصنة ومرورًا بخطف الطائرات ووصولاً إلى ما يقال له "الإرهاب النووي".
  • ب ضرورة التمييز بين الإرهاب بما هو عنف ضد المدنيين من أجل تحقيق غرض سياسي وبين المقاومة الوطنية من أجل تقرير المصير أو رفع الإحتلال. وقد حصل تباين ظاهر في مؤتمرات ولقاءات دولية عديدة بين من يصرُّ على شجب الارهاب "بصرف النظر عن بواعثه وأسبابه والقائمين به" وبين من يصرُّ على استثناء هذه المقاومة الوطنية المشروعة، وإن تضمَّنت بعض مظاهر العنف من الإرهاب الدولي المحظور. والمعروف، في القانون الدولي، أن ثمة إرهابيين محظورين بشكل حاسم هما إرهاب الأفراد وإرهاب الدولة، كما أن ثمة مقاومتين مشروعتين في القانون الدولي هما المقاومة من أجل تحقيق تقرير المصير والمقاومة الوطنية من أجل رفع الإحتلال[2].
  • ج ضرورة الإحاطة الكاملة بكل أعمال الإرهاب من خلال الاتفاق الدولي على تعريف موحَّد له. إلا أن الإرهاب الدولي يتنوَّع ويتشعَّب وفقًا للظروف والعلاقات الدولية من جهة، ووفقًا للتقدم التكنولوجي من جهة ثانية. لذلك يقتضي التمييز بين الإعتبارات السياسية التي تدفع بعض الدول إلى مواقف معيَّنة حيال عمل ما وبين الاعتبارات الدولية الموضوعية التي تسعى الإتفاقيات الدولية إلى إبراز هذه الأعمال كجرائم دولية موجَّهة ضد المجتمع الإنساني الأوسع. ويلاحظ البعض ارتباطًا بين العمل الإرهابي وبين الحوافز الدينية التي تدفع إليه في بعض الأحيان. وبالتالي فإن هذه الإعتبارات لا تقتصر على الطابع السياسي وحده. ويمكن للحافز الديني ان يقوم بدور بارز في هذا المجال[3].
  • د ضرورة إدخال إرهاب الدولة وليس إرهاب الأفراد فحسب في سياق أي تعريف للإرهاب الدولي. وقد رفض بعض الدول مثل هذا العمل لكي لا يشمل دولاً كرَّرت إرهابها بحق الدول أو الشعوب الأخرى. وكان لهذا الرفض آثاره السيئة لدى بعض الدول التي عانت وما تزال إرهاب الدولة كما هي الحال بين الدول العربية وإسرائيل وإرهابها المتكرِّر. والواقع أن هذا العمل من إرهاب الدولة قد يتخذ أحيانًا ذرائع مختلفة ولكنها غير مقنعة وغير مبرَّرة قانونيًا كذريعة الدفاع عن النفس أو ذريعة الأعمال الزاجرة أو سواهما.
  • هـ ضرورة اعتبار الإرهاب الدولي جريمة دولية تشكِّل تهديدًا للسلام والأمن الدوليين وتندرج ضمن الجرائم الدولية الأخرى التي يعاقب عليها القانون الدولي بصرف النظر عن موقف القوانين المحلية منها. وعلى الرغم من بعض العوامل المشتركة للجرائم الدولية فإن هذا التعريف المطلوب يجب أن يشير إلى العلاقة بين الإرهاب الدولي وبين كل من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وتكييف هذه العلاقة في حالات الحرب والسلم[4].
  • و ضرورة مواكبة التقدم التقني في أعمال الإرهاب الدولي. وإذا كان التعريف المعتمد دوليًا – كما سنرى – يعتبر أن عاملي العنف واستهداف المدنيين يشكلان ركنين أساسيين للإرهاب الدولي فإن بعض النشاطات الراهنة يندرج ضمن أعمال إرهابية أو تساعد على انتشارها من دون هذين العاملين حصرًا كأعمال التشويش الإلكتروني مثلاً أو غسيل الأموال أو ما شابههما. وهنا يمكن أن يطرح السؤال الأساسي: هل يستقيم تعريف الإرهاب كعمل عنيف (أو تهديد به) ضد المدنيين؟ الواقع أن هذا التعريف يبقى قائمًا بالنسبة إلى إرهاب الأفراد أو الجماعات ضد الأفراد؛ ولكنه لا ينطبق على إرهاب الدولة الذي قد يتناول دولة أخرى أو قد يتناول الأفراد في داخل الدولة ذاتها وبأساليب مختلفة كمسألة التوقيف الإحتياطي أو تعليق نشاط أحزاب أو تعليق أعمال مؤسسات أخرى أو إلغائها... كل هذه الأعمال قد تحتمل صورة من صور إرهاب الدولة من دون ان تتقيَّد بحرفية الشرطين الواردين أعلاه (أي شرط العنف واستهداف المدنيين).
  • ز وبالنتيجة فإن تعريف الإرهاب مسألة يتداخل فيها القانون مع السياسة. وهذا هو، ربما، الوجه الأكثر خطورة في إشكالية التعريف. وقد يستخدم بعض الدول ذريعة الإرهاب ويلصقها بدول أو مجتمعات أخرى من دون وجه حق لكي يستهدفها بعمليات زاجرة. وبذلك ينحرف التعريف في موضوعيته الشاملة إلى انتقائية زاجرة بحق الدول التي لا تستجيب لمطالب هذه الدولة أو تلك من صانعي القرار الدولي الراهن[5].

ثانيًا: المحاولات الخاصة للتعريف

على الرغم من هذه التحديلت المتقدمة الذكر فإن ثمة محاولات – اقتراحات – لتعريف الإرهاب الدولي:

– الإرهاب هو استخدام القوة أو التهديد بها من أجل إحداث تغيير سياسي، أو هو القتل المتعمَّد والمنظم للمدنيين أو تهديدهم به لخلق جو من الرعب والإهانة للأشخاص الابرياء من أجل كسب سياسي، أو هو الإستخدام غير القانوني للعنف ضد الأشخاص والممتلكات لإجبار المدنيين أو حكومتهم للإذعان لأهداف سياسية، أو هو، باختصار، استخدام غير شرعي ولا مبرَّر للقوة ضد المدنيين الأبرياء من أجل تحقيق أهداف سياسية.

ويخلص الكاتب الذي استعرض خلاصات عن هذه التعريفات إلى اقتراح تعريفه هو[6] للإرهاب الدولي وفيه: إن الإرهاب هو استخدام العنف ضد الأفراد الأبرياء من أجل الحصول على غايات عسكرية سياسية أو فلسفية من فريق ثالث، من الحكومة أو من مجموعة ما. العنف يجب أن يستهدف المدنيين الأبرياء. والإرهاب قد يكون سياسيًا أو عقائديًا من دون أي قيود قانونية أو خلقية.

وعلى كل حال فإن مكوِّنات العمل الإرهابي هي العنف المرتكب بأي وسيلة، والمسبِّب لأذى جسدي أو خسارة مادية، بحق الأفراد الأبرياء، بقصد ترويع الناس أو إهانتهم، ومن اجل الحصول على مكاسب معيَّنة، وذلك من دون تبرير ولا عذر[7].

واستعرض أحد الكتب الأخرى[8] تعريفات أخرى منها:

  • 1 الإرهاب هو استخدام أو تهديد باستخدام غير قانوني للقوة أو للعنف من قبل منظمة ثورية ضد الأفراد أو الممتلكات بقصد إكراه الحكومات أو المجتمعات وإذلالها لأغراض سياسية أو عقائدية.
  • 2 الإرهاب هو استخدام غير شرعي للقوة ضد الأشخاص أو الممتلكات لإذلال أو إكراه الحكومة والسكان المدنيين أو أي شريحة أخرى وذلك لتحقيق أغراض سياسية.
  • 3 الإرهاب هو عنف مخطَّط مسبقًا ومدفوع سياسيًا ضد أهداف غير عسكرية.
  • 4 الإرهاب سلوك جرمي عنيف يُقصد منه: إهانة أو إكراه السكان المدنيين، والتأثير على مسلك الحكومة لإذلالها وحملها على القيام أو الامتناع عن القيام بأمر ما[9].

ولعل بعض الباحثين توسَّع في الجهات التي ترتكب العمل الإرهابي فذكر أن الإرهاب الدولي هو ذلك الفعل الذي يُرتكب لتحقيق أهداف سياسية أو اجتماعية أو مذهبية... وتدخل فيه جميع الأفعال الإرهابية التي تحتوي على عنصر خارجي أو دولي سواء ارتكبها فرد أو مجموعة من الافراد أو من سلطات معيَّنة.

ويُستنتج من بعض هذه التعريفات أن معظمها يركِّز على السلوك المدفوع ببواعث سياسية وليس بدافع الربح ولا بدافع الدين. كما أن هذه التعريفات تشير إلى ممارسة العنف أو التهديد به[10]. هذا مع الإشارة إلى أن بعض ممارسات العنف قد يكون مدفوعًا بعوامل أخرى. وقد برزت هذه العوامل الدينية الأصولية مؤخرًا من جملة هذه الدوافع. وهذا الأمر حمل بعض المراقبين على التركيز على العمل الإرهابي بحد ذاته أكثر من البحث عن الحوافز التي دفعت إليه[11].

ويستنتج أيضًا أن العمل الإرهابي يتضمَّن عددًا من العناصر المكمِّلة له بدءًا بممارسة العنف بحق ضحيَّة مدنيَّة معيَّنة سواء كانت فردًا أو مجموعة من الأفراد وذلك عن طريق الترويع أو الأذى وذلك انتظارًا لتحقيق مطلب معيَّن. وينتظر، في هذه الحالة، وانسجامًا مع مقتضيات الإرهاب الدولي، أن تكون الجريمة قد وقعت في أكثر من دولة أو أن يكون ضحاياها ينتمون إلى أكثر من دولة[12].

ويعتمد أحد الكتاب العرب تعريفًا للإرهاب الدولي جاء فيه: إن الإرهاب الدولي هو كل اعتداءعلى الأرواح والممتلكات العامة أو الخاصة بالمخالفة لأحكام القانون الدولي العام بمصادره المختلفة، بما في ذلك المبادئ الأساسية لمحكمة العدل الدولية[13]. ويؤكد صاحب هذا التعريسف أن الإشارة إلى أحكام القانون الدولي تساعد في تصنيف العمل الإرهابي على أنه جريمة دولية تقتضي معاقبتها من قبل الدول كافة.

أما على الصعيد الإقليمي فإن القوانين الجزائية المحلية لمعظم الدول أوردت تعريفات محدَّدة للإرهاب ولمعاقبة مرتكبيه. كذلك فإن المنظمات الإقليمية قامت بإصدار تعريف للإرهاب أيضًا. ولعل أبرز هذه التعريفات:

  • 1 التعريف القانوني الأميركي: الإرهاب الدولي هو الذي يستهدف المواطنين أو ممتلكاتهم في أكثر من بلد. وهو المدفوع بعوامل وأغراض سياسية والذي يستهدف أشخاصًا غير محاربين ... وقد تمارس مجموعة إرهابية مثل هذه الأعمال[14]. وكان الرئيس جورج بوش الإبن قد أعلن أنه لا يوجد فرق بين من يرتكب الإرهاب ومن يحضُّ فاعله.
  • 2 التعريف الذي ورد في المعاهدة العربية لمكافحة الإرهاب العام 1998 وجاء فيه: أي عمل أو تهديد بالعنف، بصرف النظر عن بواعثه ومقاصده، في سبيل تحقيق أجندة جرمية، يسعى إلى تخويف الناس من خلال أذيتهم أ تعريض حياتهم، وحريتهم، وسلامتهم للخطر، أو تعريض البيئة والممتلكات للدمار من أجل أغراض إرهابية[15]. وقد حرصت النصوص العربية الرسمية على التمييز بين الغرهاب المحظور والمقاومة المشروعة من أجل تقرير المصير ورفع الإحتلال.
  • 1 أما منظمة الدول الغسلامية فقد صنَّفت الإرهاب (في 1/7/1999) على أنه: أي عمل من العنف أو التهديد به، يندرج ضمن مخطَّط جرمي ويهدف إلى ترويع الناس وتهديدهم في حياتهم وشرفهم وحريتهم وسلامتهم... وبذلك يسبِّب تهديدًا للاستقرار وللوحدة الإقليمية ولسيادة الدول المستقلة[16].

بالإضافة إلى ذلك فإن عددًا من الإتفاقيات الإقليمية الأخرى وعلى مستوى المنظمات الإقليمية ذاتها، قد أصدرت تعريفًا محدًدًا، في نظرها، للإرهاب الدولي. ويبدو أن معظم هذه التعريفات متفقٌ على العناصر الثلاثة للإرهاب الدولي: العنف أو التهديد به واستهداف المدنيين الأبرياء أي غير المتحاربين، وتحقيق أهداف سياسية أو تنفيذًا لدوافع سياسية.

ولا بد من الإشارة، هنا، إلى إرهاب الدولة بالذات وهو الذي يمكن أن يُعرَّف بالاستناد إلى بعض الوقائع من دون التأكيد على تعريف دقيق وواضح لهذا الإرهاب. فقد يتمَُّل إرهاب الدولة في خطف أعداء الحكومة أو اغتيالهم بواسطة مخابراتها أو قواتها العسكرية، أو يتمثَّل باعتقالهم بشكل تعسُّفي أو تعذيبهم أو ترحيلهم...إلخ[17].

والواقع أن هذه الأنماط من إرهاب الدولة لا تقتصر على الأنظمة الديكتاتورية فحسب فقد تحصل كذلك، وإن بحالات أقل تداولاً، في الأنظمة الديمقراطية أحيانًا.

والمعروف أن الحكومة، أي حكومة، ملزمة حماية حقوق الإنسان واحترامها، وبذلك فهي تلجأ إلى العنف إلا في حالات خاصة واستثنائية ومبرَّرة[18] وفقًا لمعايير القانون الدولي وليس في ما يبرِّره النظام السياسي وحده. ومن الأمور المستقرة في القانون الدولي أن استهداف المدنيين الأبرياء واستخدام العنف غير المبرَّر بحقِّهم إنما يشكِّل انتهاكًا فاضحًا للقانون الإنساني الدولي[19].

والواقع أن الدولة التي ترعى الإرهاب ضد دول أو مجتمعات أخرى إنما تكون قد تورَّطت في حرب غير معلنة معها، وبالتالي تصبح مسؤولة دوليًا عن هذه الحرب ذات الشحن المنخفض[20] Low – Intensity Warfare.

وإذا كانت أعمال "إرهاب - الدولة" تتمُّ غالبًا بشكل غير مباشر فإنها قد تُقدِم أحيانًا على أعمال إرهابية مباشرة عن طريق قواتها المسلحة النظامية ضد دولة أخرى أو عن طريق ترويع هذه الدولة الأخرى أو ترويع السكان المدنيين فيها وذلك من أجل تحقيق أغراض سياسية معيَّنة[21]. وهنا يمكن أن يتداخل العمل وتعريفه ضمن جرائم متعدِّدة. فقد يصنَّف عملاً عدوانيًا بصرف النظر عن ذرائع الدفاع عن النفس إذا خالف العمل أحكام المادة 51 وشروطها من ميثاق الأمم المتحدة. وقد يُصنَّف أيضًا عملاً انتقاميًا أو زاجرًا ولكن من دون تبرير موضوعي مقنع. وقد يُصنَّف أيضًا إساءة استخدام حق الدفاع عن مواطني الدولة (المعتدية) في الخارج ... إلخ

ثالثًا: محاولات الأمم المتحدة للتعريف

بدأت مسيرة مكافحة الإرهاب الدولي تشق طريقها دوليًا مع أول مشروع لاتفاقية دولية تبنَّته عصبة الأمم العام 1937. وقد عرّف المشروع الإرهاب الدولي على أنه الأعمال الجرمية الموجَّهة ضد دولة، والمقصود بها خلق حالة من الرعب في عقول بعض الاشخاص أو مجموعة من الأشخاص أو الجمهور العام. وكان لهذا التعريف المبكر للإرهاب أثر بارز في انطلاق هذه المسالة مع الأمم المتحدة، لأن العصبة ووجِهت بمقدِّمات الحرب العالمية الثانية في العام التالي، وبتداعياتها الخطيرة التي حالت دون تفعيل هذا المشروع[22].

  • أ فعلى صعيد الجمعية العامة للأمم المتحدة بدأت مساعي إدانة الإرهاب الدولي منذ أوائل السبعينيات من القرن الماضي سواء من خلال قرار الجمعية العامة ذاتها أو من خلال تقارير اللجنة الدولية لحقوق الإنسان. وكانت هذه القرارات والتقارير تؤكد على أن الإرهاب الدولي يهدِّد: السلام والأمن الدوليين، وعلاقات الصداقة بين الدول، واتلتعاون الدولي، وأمن الدول، ومبادئ الأمم المتحدة وأهدافها. وقد حرصت الجمعية العامة ولا سيما في قراراتها الأولى التي صدرت العامين 1960 (القرار الرقم 1514 حول منح الشعوب المستعمَرة استقلالها) و1970 (علاقات الصداقة بين الدول وفقًا لأحكام القانون الدولي 2625) على التركيز على شجب كل أعمال الإرهاب من جهة وتشريع النضال من أجل تقرير المصير من جهة مقابلة. ثم تضاعفت جهود الجمعية العامة في هذا الإتجاه حتى استطاعت العام 1994 إصدار إعلان عالمي من أجل إزالة الإرهاب الدولي. وقد كان لهذا الإعلان أثر بارز في إصدار قرارات إلزامية لاحقة عن مجلس الأمن الدولي تتبنَّى، إلى حدٍّ كبير، التعريف الذي أشار إليه هذا الإعلان وهو: أعمال جرمية يُقصد منها حالة من ترويع الرأي العام، وإرهاب مجموعة من الأشخاص لتحقيق أغراض سياسية وهي في كل الظروف غير مبرَّرة بصرف النظر عن الاعتبارات السياسية والفلسفية والعقائدية والإثنية والدينية التي دُفعت إليها[23]
  • ب أما على صعيد مجلس الأمن الدولي فلعلَّ القرار الأول الذي أصدره حول الإرهاب كان القرار 635/1988 في حظر المتفجرات البلاستيكية. ثم طوَّر المجلس، بعد ذلك، رؤيته إلى أخطار الإرهاب المتزايدة في سنوات لاحقة[24].

ولعل التحرك الفعلي لمجلس الأمن بصدد مكافحة الإرهاب كان على أثر حادث التفجير الرهيب الذي وقع في الولايات المتحدة في 11/9/2001. فقد أصدر المجلس، حينذاك، القرار 1373 في 28/9/2001 الذي اشتمل على كثير من الإجراءات الحاسمة بصدد مكافحة الإرهاب. ومنها:

  • أنه استند إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وبالتالي كان وما يزال ذاتي الالزام على الدول كافة من دون استثناء، وذلك تحت طائلة العقوبات المناسبة[25]
  • أنه استحدث آلية لمراقبة أعمال الإرهاب والسعي إلى قمعها من قبل دول العالم كافة. وتمثَّلت هذه الآلية بلجنة مكافحة الإرهاب. وقد وفَّر أيضًا تسهيلات تقنية أخرى لحظها القرار للغاية ذاتها[26]
  • أنه حرص على اعتبار الغرهاب جريمة غير مبرَّرة بصرف النظر عن بواعثها ومظاهرها وأشكالها. ودعا كل الدول إلى اتخاذ الإجراءات الوقائية والزاجرة كافة في هذا الصدد.
  • أنه اعتبر الإرهاب تهديدًا للسلام والأمن الدوليين بقدر ما يشكل جريمة دولية تستهدف المجتمع الدولي بكامله. وهذا التوصيف القانوني ساعد ويساعد مجلس الأمن في معالجة أي موضوع يتعلَّق بالإرهاب على أن يستند إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. والمعروف أن المادة 39 من هذا الميثاق تفرض على المجلس أن يتحرَّك إذا ما حصل أي تهديد للسلام وذلك من أجل الحفاظ على الاستقرار العالمي.
  • أنه أسس لما يمكن تسميته النظام العالمي لمكافحة الإرهاب الدولي بقدر ما استند إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. والواقع أن هذا النظام العالمي يستند إلى القرارات الدولية من جهة، ولا سيما القرار 1373 و1540 و1566، وإلى الاتفاقيات الدولية التي تهدف إلى مكافحة الإرهاب[27].
  • أما القرار الثاني الملزم بصدد مكافحة الإرهاب فهو القرار الرقم 1540 في العام 2004 القاضي بمنع اقتناء المواد المشعَّة أو استخدامها حتى وإن كانت من النفايات النووية أو الذرية أو الإشعاعية. وحرص هذا القرار على ان يتنبَّه القطاعان العام والخاص في كل دولة إلى هذه الفضلات او النفايات الذرية حتى من المصانع والمستشفيات. وهذه المواد يمكن استخدامها من قبل المجموعات الإرهابية لتصنيع ما يمكن تسميته بـ "القنبلة القذرة" التي يمكن أن تسبِّب أضرارًا اكثر اتساعًا في الممتلكات والأرواح. وهذا القرار استند أيضًا إلى الفصل السابع من الميثاق. والمعروف هنا أن ثمة نظامًا دوليًا لحظر السلاح النووي وهو النظام المتمثِّل في اتفاقية حظر الأسلحة النووية والمتمثِّل أيضًا في اتفاقية الحظر الشامل للتجارب النووية. وقد جاء هذا القرار الملزم ذاتيًا لكي يؤكد على تفاصيل هذا الحظر حتى في حالة الاستخدام السلمي للطاقة الذرية.
  • ولعل القرار الثالث الدولي الذي أصدره مجلس الأمن تحت الرقم 1566 في 8/10/2004 يشكِّل مفصلاً رئيسًا أو ركنًا أساسًيًا من النظام العالمي لمكافحة الإرهاب. وبذلك فإن بنود هذا القرار كافة ملزمة لدول العالم قاطبة من دون أن يحق لأي منها أن يتحفَّظ أو تتردَّد أو تتقاعس عن التنفيذ.
  • ولعل أهم ما يميِّز هذا القرار أنه أورد تعريفًا للإرهاب الدولي. وهذا التعريف ملزم للمجتمع الدولي بكامله حتى بالنسبة إلى الدول غير الأعضاء في المنظمة الدولية. فقد عرَّف القرار 1566 الإرهاب الدولي على أنه: "كل عمل جرمي ضد المدنيين بقصد التسبُّب بالوفاة أو بالجروح البليغة أو أخذ الرهائن من أجل إثارة الرعب بين الناس أو إكراه حكومة ما أو منظمة دولية للقيام بعمل ما أو للامتناع عنه، وكل الأعمال الأخرى التي تشكِّل إساءات ضمن نطاق المعاهدات الدولية المتعلِّقة بالإرهاب، ووفقًا لتعريفها، ولا يمكن تبريرها بأي اعتبار سياسي أو فلسفي أو أيديولوجي أو عرقي أو ديني"[28].

وبذلك فإن ثمة تأكيدًا على تعريف ملزم للإرهاب الدولي بصرف النظر عن رأي الدول الأخرى به.

رابعًا: الإتفاقيات الدولية

يعتمد النظام العالمي لمكافحة الإرهاب الدولي على ركنين أساسيين: القرارات الدولية الملزمة التي تقدم ذكرها وعلى الإتفاقيات الدولية التي عُقدت بواسطة الأمم المتحدة من جهة أو خارجها من جهة ثانية. ولكن القرارات الدولية المستندة إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة أسرع تطبيقًا وأشمل إلزامية وأفعل نفاذًا من الإتفاقيات الدولية التي لا تلزم غير الدول التي فحسب.

وإذا كان المجال لا يتسع لتفصيل هذه الإتفاقيات، فإن من الضروري الإشارة إلى معظمها لكي نؤكد على حرص المجتمع الدولي في اتخاذ كل الإجراءات الوقائية المسبقة أو العقابية اللاحقة لمكافحة أعمال الإرهاب الدولي. ومن هذه الإتفاقيات:

  • إتفاقية منع التفجير الإرهابي العام 1997، واتفاقية تمويل الإرهاب العام 1999. وقد شجَّعت أحداث 11/9/2001 الدول على الإقبال على إبرام هاتين الإتفاقيتين. وقد بلغ عدد هذه الدول التي أبرمتها، لغاية كانون الأول/ديسمبر 2005، 145 دولة[29].
  • إتفاقيات طوكيو 1963 ولاهاي 1970 ومونتريال 1971 و1988 و1991 حول مكافحة الأعمال غير القانونية كافة (ومنها خطف الطائرات) لأنها تشكِّل جريمة دولية من جرائم الإرهاب الدولي سواء في المطارات أو على متن الطائرات المدنية.
  • إتفاقية منع أخذ الرهائن 1979.
  • إتفاقية إدانة الأعمال الإرهابية التي تستهدف الأشخاص المحميين دوليًا في 1973.
  • إتفاقية إدانة الإرهاب النووي 1998 ومشروع اتفاقية جديدة تحمل المضمون ذاته العام 2005./li>
  • إتفاقية شجب الأعمال المخالفة للقانون والتي تستهدف الملاحة البحرية العام 1998.
  • إتفاقية منع صناعة المتفجرات البلاستيكية 1991.

وإلى جانب هذه الإتفاقيات الشاجبة مباشرة للإرهاب الدولي، فإن ثمة اتفاقيات أخرى تحظِّر بعض النشاطات التي تدفع أو تسهّل الأعمال الإرهابية مثل تبييض الأموال ومنع اقتناء الأسلحة النووية والأسلحة ذات الدمار الشامل. أما اتفاقية روما التي صدرت العام 1998 وأنشأت المحكمة الجنائية الدولية فلم تُشر إلى جريمة الإرهاب تحديدًا ولكنها ذكرت أن القتل الجماعي المنظَّم والاغتيال يشكلان حالتين من الجرائم ضد الإنسانية. وبذلك تشتركان مع جرائم الإرهاب الدولي أيضًا[30].

الخلاصة

  • إن القول الشائع إنه لا يوجد تعريف للإرهاب الدولي ليس دقيقًا في تفاصيله. فالواقع، كما تبيَّن لنا، أن ثمة تعريفات مختلفة للإرهاب الدولي وأن الإتفاقيات الدولية أوردت تعريفًا للإرهاب الدولي مرتبطًا بالحالات التي تصفها كأعمال محظورة ومخالفة للقانون. وهذا الأمر ينطبق على كل الاتفاقيات أو الأعراف الدولية المتعلقة بالإرهاب الدولي بدءًا من القرصنة البحرية وصولاً إلى الإرهاب النووي. فضلاً عن ذلك فإن القرارات الدولية قامت بتعريف للإرهاب الدولي. وبما أن بعض هذه القرارات استند إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ولا سيما القرارات 1373 و1540 و1566 وبالتالي تعتبر ملزمة للدول كافة من دون أي استثناء، فإن بالإمكان، إذن، اعتبار التعريف الذي أورده القرار 1566 تعريفًا دوليًا ملزمًا.
  • ومع ذلك فإن هذا القرار وكذلك معظم الاتفاقيات الدولية الأخرى أغفلت أمرين أساسيين متعلِّقين بالإرهاب الدولي: إرهاب الدولة والتمييز بين الإرهاب الدولي والمقاومة الوطنية.
  • وإذا كانت المقاومة الوطنية من أجل تقرير المصير أو من أجل رفع الاحتلال مشروعة في القانون الدولي – وهي كذلك – فإن المطلوب الآن إظهار استثنائها من الإرهاب الدولي بصرف النظر عن تعريفه الملزم أو عن تعريفاته الأخرى غير الملزمة.
  • وإذا كانت السياسة قد تداخلت مع القانون في مسألة التوصيف والعقاب. فإن تركيز هذا البحث كان يتمحور حول الإطار القانوني وليس السياسي لمسألة وربما لمشكلة الإرهاب الدولي. ولكن هذا التخصيص لا يدفعنا إلى إغفال العامل السياسي في مسألة الإرهاب الدولي. وبسبب هذا العامل السياسي نلاحظ أن ما يوصف في بعض الدوائر الغربية إرهابًا، إنما يكون في الواقع ردَّ فعل على سياسة غربية أيضًا تقمع الشعوب وتستغلها وتبتز أنظمتها السياسية تحت شعارات مختلفة.

المصادر

  • 1 محمد عزيز شكري، "الإرهاب الدولي"، بيروت، 1991، ص 222 - 223
  • 2 راجع مقالنا حول الإرهاب الدولي في شؤون الأوسط، العدد 105، شتاء 2002، وكتابنا "لبنان والشرعية الدوابة" حول الإرهاب وحق الشعب في المقاومة.
  • 3 J.FOREST, "Countering Terrorism & Insturgency In The 21st century", London, 2007, p 300.
  • 4 C.BLAKESLEY, "Terrorism & Antiterrorism", U.S.A, 2006, p 17
  • 5 تفاصيل أخرى في J.MAOGOTO, "Battling Terrorism", USA, 2005, p 59-60
  • 6 C.BLAKESLEY, "Terrorism & Antiterrorism", U.S.A, 2006, p 46
  • 7 المرجع ذاته، ص 50
  • 8 "Battling Terrorism" op cit, p 58
  • 9 المرجع ذاته، ص 58
  • 10 J.BRADOS, "America Confronts Terrorism" p 47
  • 11 ibid
  • 12 ibid, p 227-228
  • 13 محمد عزيز شكري، "الإرهاب الدولي"، ص 221، نقلاً عن تعريف الدكتور عبد العزيز سرحان.
  • 14 "America Confronts Terrorism", op cit, p 146
  • 15 "Terrorism & Antiterrorism", op cit, p 27-28-
  • 16 Ibid, p 28
  • 17 Ibid, p 189
  • 18 B.SAUL, "Defining Terrorism In International Law" USA, 2006, p 87-88
  • 19 ibid, p 91-92
  • 20 192 "Terrorism & Antiterrorism", op cit, p
  • 21 محمد عزيز شكري، "الإرهاب الدولي"، ص 111 - 112
  • 22 أنظر التفاصيل في: op cit, p 146 "Defining Terrorism In International Law",
  • 23 ibid, p 209
  • 24 H.KRAMER, "The Security Council Response To Terrorism" in the Political Science Quarterly, 122 (3) 2007, pp 409 - 432
  • 25 ibid, p 414
  • 26 ibid
  • 27 ibid, p 422 - 423
  • 28 أنظر التفاصيل ففي: op cit, p 134 "Defining Terrorism In International Law", ويجدر بالإشارة أن مجلس الأمن الدولي أصدر منذ العام 2001 (11/9) إلى العام 2005 حوالى 20 فرارًا حول الإرهاب الدولي.
  • 29 op cit, p 182 "Defining Terrorism In International Law",
  • 30 ibid حيث يشير إلى الأسباب الكامنة وراء عدم إدخال جريمة الإرهاب الدولي من جملة الجرائم الدولية أمام المحكمة الجنائية الدولية ومن هذه الأسباب أن نظام المحكمة سبق أحداث 11/9/2001 في أميركا وأنه لم يتوافر تعريف شامل للإرهاب الدولي ومطالبة البعض بالتمييز بين الإرهاب والمقاومة الوطنية والحرص على عدم تسييس المحمكة الجنائية الدولية.
اشترك ببريدك الإلكتروني لاستلام الإشعارات عند توفر معلومات جديدة.